"عربيزي"

حميد السعيدي

تُمثل الهُوية الوطنية صورةً مُشرفة للإنسان العُماني بكل ما يتضمنه في فكره وممارساته، وقد حافظَ العُماني على هُويته عبر الأجيال ليرسم اللوحة الفنية للشخصية العُمانية التي ظلت مُميزة عن بقية الشعوب؛ فأصبحت الهُوية هي جِسر الانتقال بين الآباء والأحفاد؛ من أجل المحافظة على المبادئ والقيم والاتجاهات والأعراف التي يؤمن بها المجتمع العُماني، فأصبحت الشخصية الاعتبارية للمواطن قائمة على قيم التسامح والتعاون؛ مما أثَّر على وجود تقارب اجتماعي على مستوى الوطن بين كل أفراده وقبائله، فاختفت الفروقات، وذابت في هُوية وطنية واحدة.

إذ من شأن ذلك أن يُؤثر على المواطنة بصورتها العامة، ويُسهم في توثيق الارتباط بين المواطن والأرض التي ينتمي إليها، ويقلل الفروقات بين طبقات المجتمع، ويجعل السمة البارزة للمواطن من خلال الهُوية الواحدة، بما يساعد على بروز أهمية المحافظة على الموروث العُماني والتمسك بكل ما تضمنه من إرث مادي وغير مادي، وهنا تصبح الرمزية العُمانية أكثر وضوحا من خلال المحافظة على هُوية الأجداد؛ مما يعمل على صناعة ثقافة عُمانية قادرة على التكيف مع كل الشعوب والحضارات، ويفتح مجالا للحوار والالتقاء على القيم العالمية.

وتتمثل أهمية الهُوية الوطنية في أنها استطاعت أن تتحقق لغة التواصل بين أفراد المجتمع، فحققت التقارب والوئام بين الجميع، وساعدت على تحقيق الوحدة الوطنية الشاملة على امتداد هذا الوطن، مما أسهم في تكون مجتمع راقٍ في شخصيته ومتماسك في وحدته الوطنية؛ حيث شملت الهُوية الوطنية العديد من العناصر التي تمسك بها المواطن كالزي الرسمي، واللغة العربية، والدين، والعادات والتقاليد العمانية الأصيلة، وأعراف المجتمع؛ مما أسهم في صناعة خصوصية مميزة لهذا المجتمع.

وبالرغم من التنوع الثقافي الذي تميز به المجتمع العُماني، نظراً للامتداد الجغرافي للإمبراطورية العمانية، والتي شملت أجزاء من سواحل آسيا وإفريقيا على مدى القرون الماضية؛ مما أسهم في خلق مجتمع ذي أصول متعددة ظل متمسكا بلغته الأم؛ مما أسهم في خلق تنوع ثقافي يعطي خصوصية للمجتمع العُماني، وبالرغم من هذه التنوع اللغوي، إلا أن الكل اتفق على ممارسة اللغة العربية كونها لغة أساسية لجميع مواطني هذه الوطن، بما ينعكس إيجابا على الهُوية الوطنية.

إلا أنَّ التطور الحضاري الذي يشهده العالم، وسرعة الاتصال والتواصل بين الشعوب والأفراد، جعل الأمر حتميا أن يتقن الفرد الحديث بأكثر من لغة إلى جانب لغته الأصلية، من أجل أن يفتح له مجالا أوسع للتواصل مع مختلف شعوب العالم، ويستفيد من المنتجات المعرفية والأدبية؛ بما يسهم في أثراء الثقافة بوجه العموم، خاصة بعد أن أصبحت العولمة أمرًا لا مفر منه في ظل التقنية الحديثة، والتي كسرت كل الحدود وأصبحت لغة حوار عالم اليوم.

وبالرغم من هذه التطور الحضاري، إلا أن الكثير من الشعوب ظلت محافِظَة على لغتها الأساسية، وترفض بل وتكافح من أجل بقاء اللغة دون تغيير أو مساس في مفرداتها وجماليات نطقها، حتى يصل بهم الحال إلى رفض الحديث مع الزائر إلا باللغة الأصيلة حتى لو كان يمتلك أكثر من لغة، وهذا التمكن يدل على مدى تعمق الهُوية الوطنية لدى هذه الشعوب ورغبتها في التمسك بكل مكنوناته الوطنية، وهناك الكثير من الأمثلة لمثل هذه الشعوب التي تحاول جاهدة المحافظة على لغتها في ظل المحاولات من أجل أن تصبح اللغة الإنجليزية لغة عالمية؛ الأمر الذي يدفعنا للقياس على اللغة العربية في الوطن العربي عامة، وعُمان خاصة، بعد أن وصلنا إلى مرحلة ما يمكن تسميتها التدمير الذاتي للغة العربية. وهنا، تكمن خطورة الوضع الحالي؛ من خلال تهاوي اللغة بين مستخدميها الأصليين لتصبح لغة منحدرة في مفرداتها وجماليات نطقها، لتصبح لغة ركيكة لا تنتمي للأصل؛ حيث وصل الأمر لظهور ما يمكن تسميته "عربيزي"، والذي يتحدث معك بكلمة واحدة عربية أو أكثر ويتبعها بأكثر من كلمة باللغة الإنجليزية؛ اعتقادا منه أنه يُظهر جزءا من التطور الثقافي، حتى أصبح الأمر شبيها بالموضة التي تظهر بين الحينة والأخرى، هذا لو كان الحديث عامًّا، ولكن كيف يكون الوضع لو أن هذا النمط يحدث في أروقة المؤسسات الحكومية؟!

 لم يتوقف الأمر عند هذا الأمر، فظهرت لهجه جديدة ترافق الحديث مع الوافدين من الآسيويين، اعتقادًا من البعض أن ذلك تسهيل للحديث معه، وهو في الواقع تنازل عن الهُوية الوطنية مقابل الآخرين، بل مع الاستمرارية تظهر لهجة جديدة للغة العربية، والأغرب من ذلك أن هناك مؤسسات حكومية غير قادرة على إلزام موظفيها الأجانب على التحدث باللغة العربية، وإنما يجب على المواطن أن يتحدث معهم بلغة الوافد، وهنا تكمُن التناقضات، فأنت في بلدك تلزم بالحديث بلغة أجنبية، وعندما تسافر تلزم بالحديث بلغة أخرى!! الأمر الذي قد يؤدي لحدوث تدمير ذاتي للغة العربية، وضياع أساسياتها ومبادئها، في التحدث أو الاستماع؛ مما يُسهم في ضعف الهُوية وتعددية في اللهجات، وربما تصل الحال إلى سيادة مصطلحات غير عربية، أو مصطلحات لا تنتمي بالأساس إلى أي لغة، في ظل غياب الدور الأساسي للمؤسسات المعنية بالجانب التربوي في الحفاظ على أساسيات اللغة العربية، وأضعف الإيمان أن تكون قادرة على صياغة منظومة تساعد على التمسك بالحديث باللغة العربية؛ لأن المشكلة تعدت كل الحدود وأصبحت لغة أخرى أكثر قوة وسيادة في هذا الوطن، حتى أصبح الأمر كأننا نعيش في دولة أجنبية لا تتحدث إلا باللغة الإنجليزية؛ فالأمر لم يعد فقط على المؤسسات القطاع الخاص والذي أصبحت لغته الرسمية غير العربية، بل وصلت الحال للمؤسسات الحكومية، وهنا تمكن خطورة التدمير الذاتي للغة العربية، في ظل وجود لغة حوارية سائدة في المجتمع أصبحت تتضمن مصطلحات من لغات مختلفة.

هذه اللغة التي كرمها الله تعالى بأن أنزل القرآن الكريم باللغة العربية: "إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ" (يوسف:2)، وهذا التكريم العظيم دليل على أهمية اللغة العربية؛ فهي لغة التواصل ودليل على رقي المجتمعات عندما تتواصل بلغتها الأصيلة التي تتمسك بها، وتسعى للحفاظ عليها؛ بحيث تظل لغة راقية في مفرداتها وتركيبة كلماتها؛ لذا فإن قضية الاهتمام ينبغي أن تأخذ مسارا أكثر أهمية حتى لا نصل إلى يوم نطالب فيه بحماية اللغة العربية.

Hm.alsaidi2@gmail.com