الأربعاء, 14 نوفمبر 2018

هل فهمنا ديننا (7)

مقال : حسن النوايا أعظم شّيم المسلم

الأربعاء 21 مارس 2018 07:23 م بتوقيت مسقط

 

د. صالح الفهدي

 

يعلم الله أنني لا أتحرّز في كتابة عن موضوع طول مسيرتي في الكتابة، قدر تحرّزي في طرْق موضوع يتعلّق بالدّين، والدّين في قناعتي منهاج حياة...! ليس خوفا من الدّين نفسه، فهو دين رفق وإحسان وسعة، ولكن من ألسنة بعض المسلمين الذين لا يرعوون عن إطلاق كلّ ما يرد على ألسنتهم من تهم جاهزة حتى دون إعمال العقل في المضامين..!

إنّها والله قضيّة مؤرّقة؛ أن نخشى الألسنة الحداد من العباد، لا دين ربّ العباد..! حتى لقد أدّت الحساسيّة المفرطة بحجّة (حماية الدّين) من كلّ من تحمله نفسه على إبداء رأي في مسألة من المسائل، إلى تجاوزات لا تمتّ إلى الدّين، بدءا من التحقير وليس انتهاء إلى التكفير..!

أرسل لي إمام وخطيب أحد المساجد وهو رجل أجلّ فيه نظرته السّمحة، وفكره النقي، رسالة صوتية يقول فيها إنه اجتمع بأخ مستنير الفكر، وتناقشا في مسائل الأطياف المختلفة من المسلمين، ثم توصلا إلى أهمية أن تجلس هذه الأطياف على اختلاف آرائها، ونظراتها في مجلس واحد، بنيّة واحدة، دون تهم جاهزة، ولا شروط مسبّقة، لكي يتناقش الجميع بأسلوب راق بعيد عن التّهكم، والاحتقار، تحت ظلّ الدين الجامع.

أكبرت مضمون رسالته، ورأيت فيها فكرا متقدما، عالي النظرة، صادق النيّة، وهو والله ما نرجوه من أجل رتق الشقّة في الأفهام، وتجسير الفجوة في المدارك. أقول أكبرت مضمون رسالته، لأنها تنطلق من قيمة نفيسة؛ هي قيمة تقدير فكر الآخر (خاصة المسلم) والنظر إليه على أنّه مكسب فكري، لا جاهل عقيدة، وحامل سفاهة..!

لا تزال مشاهد حرق أعلام الدول، وتكسير ممتلكات السفارات من قبل الجماهير المسلمة الغاضبة احتجاجا على تدنيس القرآن الكريم في هولندا حاضرة في ذهني، وهي مشاهد أساءت إلى المسلمين، أكثر مما أحسنت..! وفقا لأمر الحقّ سبحانه وتعالى "ولا تجادلوا أهل الكتاب إلّا بالّتي هي أحسن إلّا الّذين ظلموا منهم وقولوا آمنّا بالّذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون (العنكبوت/46). أمّا حين ذهبت نخبة من الدعاة المستنيرين إلى بعض دول الغرب للحوار تطبيقا لنظرة الإسلام في الحوار والمجادلة بالحسنى فلم يرق ذلك لكثيرين من الساخطين المتذمرين..!

إن المتمعّن في ردّات الفعل التي ترد من بعض الذين ينتقدون كلّ ما يكتب في نطاق الدّين لتشي بملامح ثقافة كرّست القبول بكلّ ما تلقّاه العقل على علاّته، وورّث إيّاه من فقه على هنّاته، وحفّظت الصدور من مقولات وتفاسير وتوجيهات. ثقافة اعتقدتْ يقينا أنّ أيّ رأي يقال في (الموروث الجاهز) هو ضرب من الخبل، والجهل، والسفاهة..! كما سفّهت الرواية العربية بقول الأصمعي حين قال "أنا وإن كنت الأخير زمانه/لآت بما لم تستطعه الأوائل) فاتّهم بالغرور، والحماقة..!

لا يرى البعض فيما قد تكتبه في نطاق رؤيتك لبعض الممارسات أو المعتقدات إلاّ جهلا منك بحجّة عدم التخصص الذي أصبح تهمة شائعة تسقط على كلّ من طرق موضوعا ليس متخصصا فيه بمعنى التخصص العلمي، وكأنّما حرّم على العقول أن تقول..! ولو أن كلّ من ينطق برأي من الآراء يفترض عليه التخصص العلمي فعلى الكلّ أن يخرس..! ليترك النقد، والأدب، والفن، والتعليم، والصحة، والاقتصاد، والسياسة للمختصين، ولتكمم الأفواه، ولتسكب أحبار الأقلام..!!

ليدرك الآخر الذي يتّهم صاحب الرأي بعدم التخصصيّة بأنّه قد وقع فيما اتهم فيه الطرف الآخر دون أن يشعر، فهل هو متخصص في النقد أو في ذات العلم حتى ينتقد الآخر؟! خلاصة الصورة هنا تختصر في الحساسية المفرطة نحو فئة من الفئات، وشريحة من الشرائح وهذه الصورة أبعد ما تكون عن منطق الحوار، والتفاهم، والتسامح.

إنّ مثل هؤلاء ليرون المنطق في دعاة سوّغوا أو (سوّقوا) للناس أمرا من الأمور، ثم عادوا بمنطق مغاير بعد ذلك بحسب المتغيرات السياسية، أو التبدّلات الفكرية، والشواهد والأمثلة في هذا غير خافية عن ذي عين، لكن مع ذلك يجد لهم الأتباع العذر، بل يرون أنهم قالوا وفق مستند، ثم نكصوا وفق مستند أيضا..! لكن نال الذي قال من قبل ما آلت إليه آرائهم اليوم أقسى التهم، وأشنع الألفاظ..!  

الإيمان بالعقل يقتضي النظر في الحجج فالرجال تعرف بالحق، أما الكثيرون ممن يوصمون الآخر بالجهالة فيطبّقون مبدأ أن الحق يعرف بالرجال، فيصبح التسرع بالأحكام صفة لازمة، والجهر بالاتهام سمة بارزة..! فإذا بالتعقيبات تأتي ناغزة الآخر الذي كأنما اقترف ذنبا بكتابته في رأي من الآراء بعبارة "اتق الله في نفسك"، وهو يعلم يقينا أنّه بعيد كلّ البعد عمّا يمسّ جوهر المعتقد، وليس رأيه إلاّ في فقه ما، وهو رأي مسنود برأي علماء لهم قدم سبق في العلوم الإسلامية، ولم يبتدعه من تهويمات خياله..!

ما دور العقل إذن، والنبي الأكرم عليه أفضل صلاة وأزكي تسليم يقول (البر ما سكنت إليه النفس واطمأن إليه القلب، والإثم ما لم تسكن إليه النفس ولم يطمئن إليه القلب، وإن أفتاك المفتون"(رواه أحمد).

نعم لا يجب خوض الخائضين فيما لا علم لهم به، لكن الباحث الحصيف قد يمتلك من الأدوات ما تمكّنه من الإمساك بأطراف موضوعه بطريقة واعية الأسلوب، راشدة المأخذ، حصيفة السبل.

إنّ العارف بالدين الإسلامي لا يخفى عليه أنّه دين بعيد عن الكهنوتية، تلك التي تلغي كل ما يرد من غير نخبة تحتكر القول الفصل في الدّين، لكن الواقع يُنبئ بغير ذلك لدى بعض الفئات التي تناقض نفسها، يقول الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف: "إن الخطاب الإسلامي انهار وأصبح أسير مظاهريات وشكليات، أصبح عندنا ما يمكن أن نسميه بالكهنوت الإسلامي."..! يقول ذلك وهو يتقصّد فئة تقول غير ما يرى ما يبدر في تصرفاتها وسلوكياتها، وخطابها.

إن إساءة الظنّ بالآخرين وتحقيرهم لهو جرم عظيم، فكيف إذا وقع ذلك من مسلم لأخيه المسلم؟! ليست من شيمة المسلم أن يسيء الظنّ، وأن يؤّل الأمور على مشتهاه، وهواه، بل أن يلتمس العذر، ويبحث عن المبرر، فإنّ ذلك مدعاة لحسن الظن، وما حسن الظنّ إلاّ من رفعة الخلق، وما ذاك إلاّ الدين كلّه.

من شيمة المسلم أنّه إن شاء أن يردّ على رأي، أحسن الردّ، فكم من ردّ أسر قلبا، وكم من ردّ نفّر قلبا..! ذلك لأن النقاش حين يشخصن ينحرف عن جادة طريقه، ومقصد غايته، يقول الباحث محمد عثمان: "النقاش حالة صحية مطلوبة، وإن كان هذا النقاش لا بد له من ضوابط يخضع لها حتى لا ينحرف إلي تأزيم المجتمع وخلخلة سلمه الاجتماعي مما نراه اليوم في نقاشاتنا بكل أسف، ومن أهم هذه الضوابط  في نظري الأدب في خطاب المخالف، وتجنب التجريح والشخصنة ومحاولة النيل منه، في مراعاة تامة لما ينبغي أن يكون كل البشر من احترام، مهما كانت درجة الخلاف كبيرة ومتسعة".

يخلط البعض في ردودهم على ما يكتب من آراء بين الدين كعقيدة، وبين ممارسات أتباع هذا الدين، ومن هنا ينشأ سوء الفهم، إذ أنهم يحمّلون الكاتب وزر التجنّي على الدّين، بينما تقصّد طرحه ممارسات الأتباع من المسلمين، والسبب وراء ذلك هو التعجلّ بإصدار الأحكام، وسوء النوايا، هذا الأمر بعيد عن المدرسة المحمّدية التي ترفق بالآخر في منهجية غاية في السماحة والرقة شعارها "لعلك فعلت كذا، أو قصدت كذا"..! الله الله أين هؤلاء منها، ليوقعوا القلوب أسيرة من ردودهم، لا أن ينفّروها من الضغينة المقيتة التي تتعصّرها كلماتهم..!

إنّ واقع الحال ليجعلنا نطرق بعض الأبواب لأن غيرنا منكفئ لا يشاء طرقها، بينما يتحدّث عنها عند خاصته، فتقتضي الأمانة طرحها، متسلحين بالنوايا الحسنة، والغيرة على هذا الدّين العظيم الذي سلك الكثير من أتباعه مسالك أضرّت بصورته عامّة، فعرف بين الثقافات على أنه دين العنف، والإقسار، بسبب عنجهيات بعض المتزمتين، وقسوة قلوب بعض المنتمين، يقول

د. يحيى أحمد المرهبي :"إن جذور الإشكالية في سقوطنا الحضاري تكمن في ذهاب الروح الحقيقية للدين في أروقة التاريخ وعقده، ومن ثم مسخه وتشويهه وتحويله لا تحوله إلى آخر يمارس على أنه الدين الإسلامي".

إنّ المصيبة عند كثيرين أنّهم يرون الإشكاليات تحيق بالأمّة، ولكنّهم يفضلون دفن رؤوسهم في التراب، ويرون المذابح والشنائع تقام باسم الدين فلا يحرّكون ساكنا، ولا يسكبون حبرا منتقدين هذا الجرم الشنيع، فإذا كتب من كتب منتقدا هذا السلوك الإجرامي، أو مشخصا واقع الفكر الظلامي، رفعوا رؤوسهم منكرين له فعله هذا بحجّة من الحجج، أبرزها "أنك لست متخصصا لكي تتحدث"..! أقول: إنّ تعقيباتكم هي ذاتها لا تتغير حتى على المتخصصين الذين يحملون أفكارا تنويرية، أولئك الذين لم يسلموا من تجريح شنيع، واتهام فظيع..! القضيّة ليست إذن قضيّة تخصص، إنّما هي مدى تقبّلكم للرأي الآخر، واتساع صدوركم له، أمّا الدين فهو ساحة رحبة تجتمع فيها أفهام المختلفين حول أمر النبي صلى الله عليه وسلم:" لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة" دون تخطئة أو ملام.

أمّا النقد لمن يدّعي أنّه يعرف النقد فليس هو إظهار المعايب كما يراها وحسب، بل وإظهار المحاسن، وإذا كان كذلك فإن معيار النقد الأساسي هو العدل ليس الهوى، بمعنى أن تزن الأمور بميزان الحكمة، لا الأهواء، فإن أعِبْتَ فأظهر في المقابل المحاسن.. هذا هو النقد الذي ليس عند البعض بأكثر من تصيّد أخطاء الآخرين، والتشهير بهم..!

فاللهم أنت الشاهد على قلوبنا، العالم بما في طوايانا ونوايانا، حسبنا أنت وكيلنا، القائل في محكم تنزيلك الجليل "وقل اعملوا فسيرى اللّه عملكم ورسوله والمؤمنون وستردّون إلى عالم الغيب والشّهادة فينبّئكم بما كنتم تعملون (التوبة/105).