السبت, 17 نوفمبر 2018

مقال : ما أشد غرابتنا!

الإثنين 05 مارس 2018 06:47 م بتوقيت مسقط

 

د. صالح الفهدي

غريبون نحن إلى حد الدهشة، لا نتحرك إلا بدافع من ردة الفعل، أي أننا نتحرك حينما لا يكون هناك بد من التحرك..!! أما غير ذلك فنحن ركود، خامدون، تعجبنا رتابة الحياة؛ والصور المعيشية ذاتها، بل إننا نفقد على مر الوقت، وتكرار الصور الحياتية أنفسنا، وأهدافنا، فنرتضي أن نكون مجرد حبة رمل في قوقعة فارغة!

غريبون نحن، في ترقيعنا لفتق هنا، وشرخ هناك، مع علمنا أن الترقيع لا يجدي نفعاً حين يكون ناشئاً عن معضلة أكبر، فهو أشبه بمسكن الألم الذي لا يقضي عليه، وإنما يخدر الشعور به، والمرض يواصل تفشيه في الجسد!

غريبون نحن، إذ نتناول الطعام بنهم غير متوازن، وفي أوقات غير ملائمة؛ لأننا ورثنا ذلك عن أسلافنا، فلم نشأ أن نغير في برنامج فرضته ظروف الحياة عليهم، وقد كان الطعام على قلته، ومحدودية أصنافه صحياً لأجسادهم؛ لأنهم كانوا يحولونه إلى طاقة عضلية، أما نحن فيصيبنا بالتخمة، والسمنة، وأمراض أخرى!

نُردِّد قائلين: "المعدة بيت الداء"، و"ما ملأ ابن آدم وعاءً شراً من بطنه"، و"حسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه"، فإن قابلنا الطعام نسينا قل شيء، فحكيمنا يقول: "إذا حضر الهرس بطل الدرس"، فننسى أنفسنا عند الصحون..!! وإن شئت فانظر إلى سلوكنا فيما يسمى "البوفيه" تجد الصحون الملأى بالطعام، المخلوط، المتراكم الذي سيبقى في صحنه، ثم يلقى في القمامة، وهو معاكس للشكر الذي تدعيه ألسنتنا، والدعاء الذي نرفع به أكفنا!

غريبون نحن، حين نبرر عدم وجود فسحة من الوقت لرياضة الجسد، حتى تصبح أجسادنا الخاملة عرضةً للأمراض، فإذا غزاها السكري المتربص وجدنا حينها الوقت لممارسة الرياضة، وظهر عندئذ البرنامج اليومي المواتي للمشي، والتقليل من الطعام! فأين كان ذلك الوقت الذي ادعينا عدم كفايته، وكأنَّ من يسمعنا يقول بأننا منهمكون في شؤون عظيمة، وأعمال جسيمة!

غريبون نحن، لا نكلف أنفسنا عناء الفحوصات الطبية إلا بعد ظهور علة -أجار الله الجميع من العلل والأمراض- وحينها يكون المرض ظاهراً، ومؤلماً، بعد أن كان بالإمكان الكشف عن بداياته الأولى وعلاجه. ومع ذلك، فنحن نردد: "الوقاية خير من العلاج"، و"درهم وقاية خير من قنطار علاج"، ثم لا نكترث بالتطبيق!

وهو الأمر نفسه، ينطبق على ما نستهلك ونستخدم من مركبات وبيوت، لا نكلف أنفسنا بالكشف عن علاتها قبل أن تستفحل فتصبح إما عصيةً عن الإصلاح، أو مكلفةً، باهظة الأثمان، وحينها نلقي باللوم على غلاء قطع الغيار، أو ارتفاع أجرة الإصلاح، أو نصب جام غضبنا على ما تعطل لأننا كان نعيش على وهم أن كل شيء نستهلكه لا يصيبه الخلل، ولا يناله العطل!

غريبون نحن، تتغير الحياة حولنا، ولا تتغير معها أفكارنا وسلوكياتنا، كل شيء يتجدد إلا نظرتنا إلى الحياة، ومتغيراتها..! كل سلعة يرتفع سعرها ونُصر نحن على استهلاكها هي ذاتها وبنفس القدر..! يرتفع الوقود ولا يتغير سلوكنا في استخدام المركبات والمشاوير الفارغة التي نقوم بها، ثم نعود لنتحدث بتذمر عن غلاء كل شيء، ونطبق أفواهنا عن الحديث في سلوكنا الاستهلاكي الذي لم يتغير!

غريبون نحن، وأبناؤنا معنا -فهم من ذات العجينة- بعد أن أصبحنا موقنين بالضرر العظيم للوجبات السريعة، لكننا جميعاً كالمخدرين، أو أننا قد أصبحنا كالمكتوفي الأيدي أمام السلوكيات التي يحسبها أبناؤنا عصرية حين يتسابقون على مطاعم الوجبات السريعة التي أول أعراضها السمنة وزيادة الوزن لاحتوائها على كميات كبيرة من الدهون والسكريات والبروتينات، وفي المقابل تفتقر إلى الألياف والمعادن المهمة التي يحتاجها جسم الإنسان؛ فتؤدي إلى إصابة الأفراد بالأنيميا وفقر الدم وارتفاع نسبة الكولسترول، وأمراض العمود الفقر.. وغير ذلك من الأمراض! نقرأ كل ذلك في طريقنا إلى أقرب مطعم للوجبات السريعة، وإن لم نفعل كنا في نظر أنفسنا وأبنائنا مُتخلفين، غير عصريين!

غريبون نحن، حين تحبس فئة منا نفسها في خانة يعكرها الدخان السام الذي يفتك بالجسد بإرادة مطلقة منهم، وما ذاك إلا وهن الإرادات، وضعف العزائم، وخور الأنفس..! كيف لإنسان وهبه الله العقل -وهو أثمن نعمة وهبها لخلق من خلقه- أن يحبس نفسه في وكر يضج بالأدخنة، ليفتك بجسده وماله..! إنني لأرثي منظر هؤلاء الذي يدسون أجسادهم في أغوار الأوكار، أو أولئك الذين تراهم كالسجناء في غرف التدخين الزجاجية في المطارات..!! منظر يثير الشفقة لغرابته!

غريبون نحن، حين نرتكب مخالفات تضر أنفسنا قبل أن تكون انتهاكاً لأنفسنا أمام القانون، نفعل ما لا يحسن أن نفعله، ونحن نعلم أنه خطأ في حد ذاته ومع ذلك نمارسه فإن تم توقيفنا على الخطأ انحينا باللائمة على القانون، أو من صاغ القانون، أو من يطبق القانون، ونسينا أنفسنا التي هي سبب كل ذلك السلوك الخاطئ عن عمد وقصد!

هذه الغرابة لم تكن لتنشأ هكذا في غفلة من أمرنا..! بل إن وراءها من العوامل ما يستدعي كشف الغطاء عنها، وقد حاولت ذلك في كتابي "نقد الحال الراهن"، على أنها مشكلة ثقافية عميقة، نتجت عنها ازدواجية في الشخصية؛ تقول ما لا تفعل، وتأمر بالبر ولا تقوم به، وتنصح ولا تعمل بما تنصح، وتعلم ثم تتجاهل، وتدرك ثم تستغفل، وترى ثم تستعمي..! أما العلاج الأصيل لهذه الظواهر فهو رسوخ المبادئ، يقول الكاتب كريم الشاذلي: "المبادئ الثابتة تولد سلوكاً واضحاً، والسلوك الواضح ينتج شخصية محددة المعالم"، فإن آمن الإنسان بمبدأ من المبادئ السامية، والتزمه، أصبح نهجاً عملياً لا يستغني عنه لارتباطه بالشخصية، قياساً على مقولة: "الإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل".

فإن أردنا أن ننبذ عنا الغرابة، والازدواجية، فإن علينا أن نكون أهل مبادئ واضحة نرتضيها، فإن كنا نعلم أن صحبة هذا الشخص تضرنا وتشوه سمعتنا تركناه رغم معزته ومودته، وإن كنا نعلم أن في هذه الصفة تقليلا من كرامتنا تخلينا عنها، وإن كنا نعلم أن هذا الفعل مشين لنا انصرفنا عنه، وإن كنا نعتقد أن هذا الأسلوب معيب امتنعنا عنه، وإن كنا نعلم أن هذا الطعام أو الشراب أو غيرهما مما يضر بأجسادنا، وعقولنا أعرضنا عنها.

الالتزام بالمبادئ عن إيمان واعتقاد وصدق نية.. هو الحل.