الإثنين, 19 نوفمبر 2018

مقال : صناعة المهرجانات السياحية

السبت 10 فبراير 2018 08:29 م بتوقيت مسقط

د.سليمان المحذوري

شدّني إعلانٌ من النادي الثقافي ضمن أجندته المتنوعة لهذا العام حول تنظيم ندوة بعنوان "المهرجانات السياحية والتسويق الثقافي والاقتصادي"، والتي عُقدت بتاريخ 6 من هذا الشهر، وشارك فيها كلٌّ من د.زهير المزيدي، ود.سعيد الصقري، ود.محمد الحبسي، ود.يوسف البلوشي.

وكعادة حضور الفعاليات العلمية والثقافية، كان الحضور مُتواضعًا؛ إلا أنَّ اللافت غياب صُنَّاع ومتخذي القرار المعنيين بشؤون ومسائل إقامة وتنظيم المهرجانات في السلطنة، وهذا ما عبَّر عنه أحد الحضور عندما فُتح باب النقاش حول أوراق العمل التي قُدّمت في هذه الندوة. ومما استفزَّني شخصيًّا الموضوع الذي تحدَّث عنه د.زهير من دولة الكويت الشقيقة، عن بناء صورة موحدة للمدينة أو الدولة، وهذا أشبه ما يكون بالهُوية الخاصة لدولة أو مدينة ما، ويتم الترويج لها بشكل متناغم ومتواصل، وعلى مدار الأعوام تترسّخ في الأذهان؛ وبالتالي تصبح هذه الهوية علامة تجارية تسويقية تقدر بالملايين. وعندما سألته عن السلطنة إن كانت هنالك ثمة هوية معينة -أو DNA على حد تعبيره- يُمكن تبنيها كعلامة فارقة منافسة في السوق العالمي للسياحة، أجابني بأنه ينبغي أن تكون هنالك دراسة ميدانية مسحية تتشكل من عدة جهات ذات العلاقة من أجل استخراج هذه الهوية؛ إلا أنه في ذات الوقت أكد أنَّ الانسجام بين أطياف المجتمع العُماني والتراث والزي تعتبر ميزات فريدة للسلطنة.

وعطفاً على ذلك، فإنني أرى أنَّ السلطنة يُمكن أن تتبنى شعار "عُمان بلاد الأمان"، وهو شعار يعكس واقع السياسة العُمانية داخليًّا وخارجيًّا، وبالتالي يُمكن ترويج هذا الشعار، واستثماره لتحقيق مكاسب تخدم الاقتصاد الوطني. كما تعرَّض د.سعيد الصقري إلى موضوع الأهمية الاقتصادية والثقافية والاجتماعية للمهرجانات السياحية، وهو أمر لا يختلف عليه اثنان. ووفقًا لما تم عرضه من خلال هذه الورقة، أشار استطلاع الرأي إلى وجود 3 من بين 5 من العُمانيين راضون عن الجهود المبذولة لدعم وتطوير السياحة في السلطنة؛ إلا أنّهم يؤكدون على أهمية توفير الخدمات الضرورية في الأماكن السياحية، إضافة إلى أهمية وجود مدن ترفيهية متكاملة لتشكل بيئة جاذبة للسياحة الداخلية والخارجية على حدٍّ سواء.

وبالنسبة للورقة الثالثة والتي قدَّمها د.يوسف البلوشي، فقد تمحورت حول أهمية تغيير قواعد اللعبة؛ بمعنى مواكبة الفرص المتاحة حسب المتغيرات العالمية المتسارعة، وعدم الاعتماد على قطاع واحد؛ بيد أن النقطة التي أثارها من وجهة نظري هي غاية في الأهمية، وهي ضرورة تكامل جميع القطاعات والعمل بروح الفريق الواحد لتحقيق ذات الهدف؛ فمثلاً مهرجان مسقط الذي تنظمه وتشرف عليه بلدية مسقط هو مهرجان عُمان، وليس مهرجان البلدية. وما يحدث حاليا أنَّ هذه الجهة هي من تتحمل كافة مسؤوليات التنظيم مع مشاركة من بعض الجهات؛ إلا أنّ واقع الحال يقتضي أن تكون هنالك مشاركة واسعة وتكاملية بشأن تنظيم مهرجان مسقط، والأمر ينسحب على مهرجان صلالة كمهرجانات مروجة للسياحة في السلطنة من قبل كافة الجهات ذات العلاقة بموضوع السياحة؛ مثل: المجلس الأعلى للتخطيط ووزارة السياحة ووزارة التراث والثقافة والهيئة العامة للصناعات الحرفية والهيئة العامة للإذاعة والتليفزيون ودار الأوبرا السلطانية والطيران العماني وهيئة ترويج الاستثمار وتنمية الصادرات...وغيرها من الجهات المختصة؛ بحيث تعمل كفريق واحد، وبخطة محكمة واضحة؛ لضمان نجاح وديمومة المهرجانات السياحية في السلطنة.

أما بالنسبة للورقة الأخيرة في الندوة، والتي قدَّمها د.محمد الحبسي، فقد عرَّج على مهرجان مسقط الذي انطلق رسميًا في العام 1998م، ورغم مضي 20 عاما على انطلاقته، وتحقيق زخم غير مسبوق مع بدايته؛ لكنه ما لبث أن تراجع جماهيريًا وبشكل ملحوظ. صحيح أنّه حقق نتائج ونجاحات غير مباشرة إلا أنه لا يمكن التعويل عليه دون دراسة علمية تضع النقاط على الحروف، خاصةً وأنّ الإنفاق من خزانة الدولة على المهرجان يصل لسبعة ملاين ريال عُماني. ومن الملاحَظات التي تضمَّنتها الورقة كذلك أن المهرجان حتى اللحظة لم يستطع إيجاد مكان ثابت لفعالياته خلافًا لما هو حاصل؛ فالمهرجان منذ انطلاقته تنقل بين عدة أماكن في محافظة مسقط. ومن وجهة نظري، من الأهمية بمكان وجود مكان ثابت متعارف عليه بين الجمهور؛ بحيث يكون مقصدًا سياحيًّا مزوَّدا بجميع المرافق التي يحتاجها الزائر.

وما يُثار في وسائل التواصل الاجتماعي -وغيرها من الوسائل الإعلامية- قبيل وأثناء المهرجان من آراء حول المهرجان، ومدى جداوه، وما إلى ذلك، نقاط جديرة أن تُؤخذ بمحمل الجد؛ سواء من حيث محتوى المهرجان أو التسويق والترويج...وغيرها من الأمور التي تساعد على تقييم البرنامج؛ وبالتالي الخروج بمحاور يمكن الاتكاء عليها في بناء أرضية صلبة لمهرجان مُختلِف يُرضي ذائقة جماهيره داخليًّا وخارجيًّا، بالاشتراك بين الجهات التي ذكرتها في صدر المقال، مع عدم إغفال القطاع الخاص كشريك أساسي.

وبرأيي.. أن نبدأ بالمواطن العُماني أولاً؛  فمتى ما تمكنّا من إقناعه بالمهرجان وما يقدمه هنا، نكون قد وضعنا الخطوة الأولى الثابتة لنجاح النسخ المقبلة منه. ويبقى السؤال الأهم مطروحاً: متى يُمكن أن نرى مهرجان مسقط أو صلالة على الخارطة السياحيَّة الإقليميَّة والعالميَّة؟!

[email protected]