الثلاثاء, 20 نوفمبر 2018

مقال : هويتنا اللغوية قوتنا الثّقافية (2-2)

الثلاثاء 03 أكتوبر 2017 05:11 م بتوقيت مسقط

عزيزة الطائي

جميعنا يدرك أنّ اللغة العربية هي هوية المجتمع كونها وسيلة للتفاهم، والتواصل الاجتماعي، والعناية بها واجب وطني وقومي وربّاني، وإنّ التفريط بها لهو التّفريط بذاتنا، ووطنيتنا، وقوميتنا والأبعد من ذلك بمقومات شخصيتنا الإسلامية. والسؤال المطروح: كيف يمكننا أنْ نغرس في الأبناء حب اللغة العربية، والاعتزاز بها في عصر يفرض علينا متغيراته وقبول مجرياته بثوب جديد يُبعدنا عن إرثنا اللغوي؟

للأسف الشّديد في وقتنا الحاضر لا يلقى الطّفل من الاهتمام والتّوجيه ما يُمكنه من المهارات اللغوية اللازمة؛ فالبيئة التي يعيشها محاصرة ما بين لهجات محلية مُتعددة، وأمية منتشرة بين الأسر، ومربيات من بيئات مُختلفة، ووالدين يتحدثان معه باللغة الإنجليزية، ووسائل إعلام متنوعة، إضافة إلى الألعاب الإلكترونية التي يقضي معها أكثر ساعات يومه؛ وهكذا يكون الطّفل قد اكتسب لغته الأم قبل دخوله المدرسة؛  لذا وجب علينا الاهتمام منذ ولادته بتنمية حصيلته اللغوية، وأنْ نرعاها ونوجهها ونطورها حتى يصبح عند بلوغه العام السادس قادرًا على التّعبير عن نفسه، واحتياجاته، وما حوله بلغة واضحة، وجمل تامة، مختلفة الطول والبناء.

من هنا يأتي الدور البارز للأسرة في تنمية حصيلته اللغوية فكلّما زاد رصيد الطّفل اللغوي زادت حصيلته الثّقافية، وتطورت معارفه العلمية، ونمت شخصيته المستقلة، وتفاعلت مشاعره مع الآخرين، وزادت ثقته بنفسه. والعكس صحيح فقلة حصيلته اللغوية تقلل من نضجه الفكري، وقدرته على التّواصل، والتّكيف مع البيئة المحيطة، ومشاركة أقرانه.

والواقع الحالي الذي يواجه الطّفل العربي مع لغته العربية يُشير إلى أنّ هناك أزمة حقيقية حيث بدأ الطفل يعاني من الاضطراب اللغوي المبكر، كما أصبحت العولمة سمة الحياة المعاصرة، فلم يعد هناك حواجز بين ثقافات العالم المتنوعة. فأصبح العالم بأسره موجودا داخل قلب كلّ منزل مهما اختلفت ثقافته، أو تعددت أطره، أو تنوعت اتجاهاته. كما تحاصرهم منتجات العولمة ومؤسساتها في مواقع كثيرة خارج المنزل، وهكذا أصبحت ملامح شخصية الطفل ولغته مرهونة بهذا الطّوفان الهائل الذي تحمله العولمة إليه من خير وشر.

لعل البحث عن قضايا التّنشئة اللغوية يُحيلنا إلى إشكالية أساسية تكمن في علاقة الطّفل باللغة منذ المنشأ، وعلى الرغم من أهمية دور الأسرة وفاعليتها إلَّا أنّ تلك الأهمية تتحول إلى مسؤولية تربوية رسمية في مؤسسات التّعليم نظرًا لأنّ التّنشئة اللغوية تعد بعدًا أساسيًا تتشابك علاقاته وتتقاطع مع بقية أبعاد التنشئة، إذ تؤكد أدبيات التّربية وفقه اللغة أنّ اللغة مرآة تعكس بأمانة تامة ظواهر الوجود والأشياء فلابدّ أن توجد في لغة الطفل نفس القوانين المحركة للتفكير، والطبيعة، والحياة.

اللغة بالنسبة للطّفل مفتاح يلج به باب العالم الخارجي وهو المعبر الفريد الذي يتحاور بفضله مع الوجود فضلًا عن أنّها الجسر إلى كلّ القيم المُجردة وما تمليه العقيدة وما تفترضه تقديراتها من الناحية التّأملية، وهي الأساس لخروج كوامن الطّفل وطاقاته من حيز القوة إلى حيز الفعل، حتى أنّ قوى العقل والخاطر والفكر والإدراك والقريحة والذّهن هي أبدًا حبيسة ما لم ينفث فيها الكلام معالم الوجود، ومن ثم فالبعد اللغوي يُحرر الطّفل من القيود الطّبيعية التي تحوطه، وتحرره من السّكون إلى الحركة. وتزداد فاعلية اللغة في عملية التّنشئة بمختلف أبعادها فالرسالة اللغوية الموجهة للطّفل إذا كانت تتضمن بنية لغوية صحيحة البناء وتشتمل على تعابير طبيعية تصبح أكثر فاعلية في توليد الاستجابة لديه، ونقل احتمالات ردود الطّفل واستجابته بمقدار ما تتضمن العبارات من كلمات لا معنى لها عنده، وعليه فإنّه من الضرورة إيلاء الاهتمام بالمحيط الذي ينشأ فيه الطّفل لغويًا، والاهتمام بهذا البعد مطلب أساسي لتحقق المطالب النّفسية والمعنوية والبيولوجية يقع عاتقه ليس على الأسرة فحسب، بل على مؤسسات التّنشئة الاجتماعية برمتها.. فما هو السبيل الذي يُمكننا من ترسيخ ملامح هوية ثقافتنا اللغوية؟ إنّ تعزيز استعمال اللغة العربية في حقول الحياة المختلفة على كلّ المستويات الرّسمية والثّقافية والإعلامية في عالمنا العربي أسوة باللغات العالمية الحيّة الأخرى لهو المنهج الفاعل والسّبيل الأوحد لتحقيق ذلك من خلال تبني حملة وطنية تثقيفية داعية إلى التّحدث بالعربية خلال السّنوات الأولى، وإدراك أهمية اللغة الفصحى ودورها في مجالات التّنمية لاستعادة مكانتها، وجعلها لغة العلم والمعرفة والتّقدم، وإعادة النّظر في الآليات والأساليب المتبعة في تدريس اللغة العربية وتنفيذ الوسائل الحديثة عند تدريسها وتعلمها حتى المراحل العليا، وتشذيب البرامج المرئية والمسموعة المُقدمة لضمان تقديمها بلغة عربية سليمة؛ تحفز نحو توظيف مهارات الاتصال اللغوي كالقراءة والتحدث والاستماع والكتابة، إضافة إلى الاهتمام بالمراكز والمؤسسات التي تنمي أوجه الثّقافة، وتعزز المهارات اللغوية بإنشاء المكتبات الخاصة والعامة، والمقاهي الثقافية، وتوفير معاجم متخصصة إلكترونياً مقروءة ومسموعة تساعد على تعلم المهارات اللغوية وفق منهج مشوق ومدروس.