الثلاثاء, 20 نوفمبر 2018

مقال : نظرة الإسلام للسلامة المرورية ورعاية الدولة لها

الأربعاء 19 يوليو 2017 07:48 م بتوقيت مسقط

 

د. صالح بن هاشل المسكري

ينظرُ الإسلام إلى الطرقات على أنَّها ملكٌ عام للجميع، يشترك فيها الكبير والصغير، والماشي والراكب، في حدود النظام وعدم التعدِّي، يقول تعالى: "وجعلنا فيها فجاجاً سبلاً لعلهم يهتدون" (الأنبياء:31)، والسبل هي الطرُّق جعلها الخالق سبحانه في الأرض، وأظهرها لأجل أن نهتدي بها في أسفارنا وإلى مقاصدنا، والفجاج جمع فج وهو السبيل والطريق الواسع بين جبلين، وهو ما يُوافق الطريق الواسع الآن أو ما يسمى بـ"الطريق المزدوج". وإذا كان الطريق في نظر الإسلام مِلكاً عامًّا تحتم أن يلتزم المشتركون بالسير فيه بآداب سماها بآداب الطريق جاءت في قوالب تشريعية في القرآن الكريم وفي السنة النبوية الشريفة، كقوله تعالى في وصف عباد الرحمن: "وعبادُ الرحمن الذين يمشون على الأرضِ هوناً وإذا خاطبَهمُ الجاهلونَ قالوا سلاما" (الفرقان:63)، وقوله سبحانه: "ولا تمشِ في الأرض مرحاً إنكَ لن تَخرُقَ الأرضَ ولن تَبلُغَ الجبالَ طولا كلُّ ذلكَ كان سيئَهُ عندَ رَبِّك مكروها" (الإسراء:37)، وقولهُ صلى الله عليهِ وسلَّم: "أعطوا الطريقَ حقَّهُ"، قالوا: وما حقه يا رسول الله؟ قال: "غَضَّ البصَر، وكَف الأذى، ورَدُّ السلام، والأمرُ بالمعروفِ والنَّهي عن المُنكر".

وفي الآية الأولى يبيِّن فيها الحقّ جَلّ وعلا صِفةً من صفات المؤمنين وهي صفةُ المشي في الأرض هونا، أي يمشون مِشيةً لا تصنُّع فيها ولا تكلُّف، مِشيَةَ السكينة والوقار، وهذا هو معنى الهون في الآية الكريمة، هذه المِشية تُعبِّرُ عن شخصيةٍ متزنة مطمئنة تُظهر الوقار والسكينة والجد والقوة، مشية غير متهورة ولا متسرعة، سواء كان ماشياً برجله أو هو يقود سيارته، وإذا ضايقه أحد في الطريق قال سلاماً، ولا يُبادل السيئة بالسيئة والتهوُّر بمثلهِ.

أمَّا الآيةُ الثانية، فهي تَنهى المؤمن عن مشيةِ المرح والتيه وكأنه يريد أن يخرق الأرض بخيلائه وكبريائه، ويبين الحق سبحانه بأنك أيها الإنسان ضعيف وضئيل أمام ملكوت الله تعالى، فلن تثقب الأرض بمشيك فيها مرحاً وتيهاً ولن تبلغ مبلغ الجبال في طولها وقوتها وضخامتها.

ونأخذ من الحديث النبوي قوله صلى الله عليه وسلم: "وكفُّ الأذى...."؛ إذ يُعتبر كفُّ الأذى من أبرز حقوق الطريق، والأذى كلمة جامعة تشمل كل ما يؤذي الناس من قول وعمل وهم يستخدمون الطرق مشياً أو ركوباً، فالتوسيع في الطريق للمضطرين للتقدم كسيارات الإسعاف والمضطرّين من الناس حق من الحقوق وكف للأذى، والتقيُّد بأنظمة المرور المحددة كف للأذى، والتزام السرعة التي حددتها أنظمة المرور داخل المدن والطرقات كف للأذى، وتفادي ما يطرأ في الطرق والانتباه المستمر كف للأذى، وتفقد السيارة قبل ركوبها وفحصها كالفرامل والإطارات يحفظ السلامة ويعين على كف للأذى، واحترام إشارات وعلامات المرور كف للأذى.

وضمن الإسلام للمارة إصلاح الطرق وصيانتها وحثَّ على رفع الأذى عنها؛ فهذا عمر بن الخطاب يقول: "لو عَثَرت بغلةٌ في العراق لخشيت أن أسأل عنها يوم القيامة، لِمَ لَمْ تُصلح لها الطريق يا عُمر"، وهذا الشعور يعتبر منتهى الإحساس بمدى المسؤولية الملقاة على عاتق الراعي تجاه رعيته، في تحسين الطرق وإزالة الأذى عنها، ولذلك جعل النبي الكريم صلى الله عليه وسلم إزالة الأذى من الطريق من خصال الإيمان فقال: "إماطة الأذى عن الطريق شعبة من شعب الإيمان"، وجعله في موضع آخر من الصدقات فقال: "وإماطتك الأذى عن الطريق صدقة"، ويجعله أيضاً من الحسنات فيقول: "من أخرج من طريق المسلمين شيئا يؤذيهم، كتب الله له به حسنة". وبهذا، فإنَّ المرور في الطريق العام سواء كان مشيا أو سيرا بالسيارة مُباح لكنه مُقيّد بشرط سلامة العاقبة؛ وذلك من حق المارة والمستعملين الآخرين للطرق العامة.

وظلت بحوث السلامة المرورية لعدة عقود ولا تزال تشير الى سائق المركبة الذي يشكل السبب الأول في وقوع الحوادث المرورية أكثر من الطريق أو المركبات نفسها، وأثبتت البحوث والدراسات أن أغلب حوادث السير سببها السائق، فالسائق مسؤول مسؤولية مباشرة عما تسببه سيارته من أضرار بالآخرين أو الممتلكات العامة.

وأساس مسؤولية السائق في حوادث السير في القانون هو الفعل الضار أو ما يسمى بالعمل غير المشروع أوالمسؤولية التقصيرية، والإسلام ينظر إلى السائق بأنه يجب أن يكون أثناء قيادته لسيارته قادرا عاقلا متأنيا غير متهور، متعاونا مع غيره، آخذا بأسباب السلامة والأمان.

وفي تناولنا لرعاية الدولة للسلامة المرورية نشير إلى تبنِّي سلطنة عمان لمبادرةً مهمة حول الأزمة العالمية المتنامية لسلامة الطرق، إيماناً منها بخطورة حوادث السير وأعبائها الثقيلة، وتطلب ذلك تعبئة المنظمات الدولية وخلق القناعات لدى مجموعة من الشركاء الدوليين بغية لفت الانتباه لجسامة المشكلة واستطاعت حشد عدد كبير من المؤيدين الدوليين، وتمكنت من طرح قضية السلامة المرورية على المستوى العالمي عن طريق الأمم المتحدة وأخذت زمام المبادرة لصياغة قرار دولي أسفر عن اعتماد الجمعية العامة للأمم المتحدة لمشروع القرار رقم 9/58 بعنوان "الأزمة العالمية للسلامة على الطرق"، هذا القرار ساعد على خلق فهم واضح لصناع القرار لحجم الضرر الناجم عن حوادث الطرق.

وقد تنبّهَ مجلس الدولة في وقت مبكر من إنشائه لموضوع السلامة المرورية عندما نظّم -ممثلاً في اللجنة الاجتماعية- ندوة بعنوان "السلامة على الطريق.. العبء الصحي والإقتصادي والاجتماعي" يومي السبت والأحد 9-10 أكتوبر 2004م، قمتُ بالإشراف عليها والتحضير لأعمالها شخصيًّا مع عدد من الزملاء في المجلس.

شاركَتْ في تقديم أوراق العمل في هذه الندوة سبع عشرة جهة، عشرٌ منها من القطاع العام، وخمسة من القطاع الخاص، إضافة إلى أربعة من الخبراء الأجانب من بريطانيا وأمريكا ونيوزيلندا، ومنظمة الصحة العالمية، وتركزت أهدافها في زيادة الوعي حول حجم حوادث السير وآثارها السلبية، ومناقشة الوسائل والإستراتيجيات التي يمكن تطبيقها لوضع حلول لهذه المشكلة، ووضع توصيات على المستوى الوطني من أجل المساعدة على الحل، مع الاستفادة من البحوث والدراسات وأوراق العمل التي شاركت بها الجهات المختلفة في الندوة في رفد وتعزيز الجانب العلمي والمعلوماتي للدراسة التي قامت بها اللجنة الاجتماعية في ذلك العام وهي دراسة حوادث السير في السلطنة، وخرجت الندوة بتوصيات هامة قُدمت للجهات المختصة المعنية بتطبيق قواعد السلامة المرورية في السلطنة.

وفي جولته السَّامية بسيح المكارم عام 2009م، وجّهَ صاحبُ الجلالة السلطان المعظم -حفظهُ الله ورعاه- بأهمية أن تتحمل كافة شرائح المجتمع مسؤوليتها، وأنْ تعمل معاً للتصدي والحد من حوادث السَّير؛ لما ينتج عنها من خسائر بشرية وآثار اقتصادية واجتماعية وصحية، وانطلاقاً من هذا التوجيه السامي عُقدت ندوة السلامة المرورية في مايو عام 2010م، وأوصت من بين توصياتها العشرين أنَّ يكون يوم 18 أكتوبر من كل عام يوماً للسلامة المرورية يخصص فيه كأس وجوائز لكل ولاية أو مؤسسة حكومية وأهلية أو مبادرة فردية مجيدة في مجالات السلامة المرورية.

وتنظم شرطة عمان السلطانية -ممثلة في الإدارة العامة للمرور- هذا العام النسخة الثالثة من مسابقة السلامة المرورية، تشارك فيها مختلف الوحدات الحكومية والمؤسسات الأهلية والقطاع الخاص والأفراد، تهدف إلى مشاركة المجتمع في البرامج والإجراءات التي تتخذها شرطة عمان السلطانية، ونشر الوعي المروري وتشجيع المؤسسات لتقديم مشروعات تخدم التأهيل والتدريب في مجالات السلامة المرورية، وهي مسابقة مهمة لإشراك المجتمع والخروج بأفكار ومبادرات مشتركة تخدم الصالح العام، وأنَّ كنت أرى أنَّ التوسع في المسابقة فيه بعض العبء الإداري والمالي على الوحدات الحكومية، وبعضها ليس طرفاً مباشراً في هذه المسؤولية، إضافة لطول مدة المسابقة حيث تبدأ في شهر مارس وتعلن نتائجها في 18 أكتوبر.

[email protected]