الأحد, 18 نوفمبر 2018

مقال : حقيقة التعددية والحرية في الإسلام

الإثنين 16 يناير 2017 06:21 م بتوقيت مسقط

صالح البلوشي

انتهيتُ مؤخرًا من قراءة كتاب بعنوان "التعددية والحرية في الإسلام.. بحث في حرية المُعتقد وتعدد المذاهب" للشيخ حسن بن موسى الصفار، وهو من إصدار مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي ببيروت سنة 2010 في 280 صفحة تقريبًا، ويحاول أنّ يعالج قضية الحرية والتعددية في الإسلام التي وصفها المؤلف بالقضية الحساسة والخطيرة.

الكتاب يأتي في سياق المحاولات التي يقوم بها بعض العلماء من المذاهب الإسلامية المُختلفة لبيان التعددية في الإسلام وأن جميع المذاهب الفقهية والكلامية والأصولية التي ظهرت في تاريخ المسلمين ابتداءً من القرن الأول الهجري إلى اليوم إنما تعتبر اجتهادات بشرية في فهم النصوص الدينية التي تتمثل في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، وإثبات أنَّ القرآن الكريم يرفض التَّعصب والتحزب المذهبي ويدعو إلى الوحدة بين شعوب الأرض جميعاً وليس بين المُسلمين فقط، كما جاء في قوله تعالى: "وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا" ولم يقل لتحاربوا بعضكم بعضًا أو ليرفع كل من يعتقد أنه يُمثل الحقيقة المطلقة السلاح في وجه الآخرين. وقد تحدَّث حسن الصفار في الفصل الأوَّل من الكتاب عن الإنسان والدين ووصف الدين بأنَّه حالة وظاهرة عميقة الجذور في تاريخ البشر، ثمَّ تحدَّث عن الآية الكريمة "لا إكراه في الدين"، وقال: إنَّ أصحاب جميع الديانات يسعون إلى نشر دينهم والتبشير بمعتقداتهم ليغطي أكبر مساحة ممكنة من أبناء البشر وأن هناك من يستخدم طريق الإقناع، وآخر يسعى إلى ذلك بالقوة والإكراه، ثم ضرب بعض الأمثلة عن محاكم التفتيش في أوروبا وأنها كانت تكره الناس على المسيحية.

أما الإسلام فرفض هذا المبدأ وتعامل مع النَّاس وفقًا لقول الله تعالى "لا إكراه في الدين"، وأيد كلامه بشواهد من "تفسير الميزان" للسيد محمد حسين الطبطبائي وتفسير "في ظلال القرآن" لسيد قطب، وختم كلامه بأن الإسلام يؤمن بحرية الدين والاعتقاد وأنّ "المجتهدون الفقهاء يبذل كل واحد منهم جهده العلمي، ويستخدم قدرته الاجتهادية لاكتشاف حكم الله في كل مسألة، وغالبًا ما يختلف الفقهاء في فتاواهم وآرائهم حتى ضمن المذهب الواحد".

كنتُ أتمنى من المؤلف أن يتطرق إلى "الفتوحات الإسلامية" وكيف نشر الخلفاء المُسلمون الجنود في كثير من الدول وما شاب ذلك من بعض الممارسات التي تتعارض مع فحوى رسالة الإسلام ووسطيته ودعم حق الاختيار وحرية العبادة، في حين أن الإسلام حث وأكد ودعم فكرة حرية اختيار الدين وعدم إجبار الأخرين على اعتناقه.

وفي الصفحة رقم 69 تحدث الصفار عن "كيف انتشر الإسلام؟" قال فيها "إنَّ من يقرأ تاريخ الديانات وأساليب انتشارها يُلاحظ تميزاً فريداً اختص به الإسلام في مسيرة انتشاره، فقد اتسعت رقعة الإسلام واعتنقته أمم كثيرة في فترة زمنية لا مثيل لها في تاريخ الديانات". ونقل المؤلف أقوال بعض المستشرقين أمثال الألماني أوجست فيشر في كتابه تاريخ أوروبا والمؤرخ الأمريكي ستودارد وأحد المؤلفين الشيوعيين (غير مذكور اسمه) ليس نقلاً من كتبهم، وإنما من كتاب اسمه "الصياغة الجديدة" للمرجع الشيعي الراحل السيد محمد الشيرازي، وهذه من السلبيات التي نُعاني منها في كثير من الكتب وهي نقل الأقوال دون التأكد من صحتها عبر الرجوع إلى المصادر الأصلية، والاكتفاء بالمصادر الثانوية فقط.

وفي الصفحة رقم 223 تحدَّث الصفار عن الأصول المُشتركة للمذاهب الإسلامية وهي: أصول العقيدة، وقال: "يتفق المسلمون على أنها ثلاثة لا يتحقق الإسلام بدونها ولا يضر الاختلاف في ما عداها وهي: الإيمان بالله وبالنبوة وبالمعاد"، ولكن الإشكالية هنا أنَّ كثيرًا من المسلمين تركوا هذه الأصول المتفق عليها بين جميع المذاهب الإسلامية وركزوا على بعض المسائل الفرعية التي استحدثت في القرن الثاني الهجري بعد عهد الخليفة المأمون العباسي في قضية "خلق القرآن"، التي أدخلت الأمة في أخطر صراع عقدي في تاريخها، وقسمت بين صفوف المُسلمين، وما زالت آثارها موجودة حتى اليوم للأسف الشديد، رغم أنَّ جميع أطراف القضية ذهبوا إلى ربهم منذ مئات السنين.ثانيًا: القرآن الكريم. وثالثًا: معالم الشريعة: وهي الفرائض والعبادات وأصول المعاملات مثل العقود وأحكام الطلاق، وغيرها.

وفي الصفحة رقم 235 تحدث الصفار تحت عنوان "لا للتكفير"، ونقل فيه تصريحات عديدة عن بعض فقهاء السنة والشيعة ضد التكفير، مثل الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق وهو أحد أبرز علماء السلفية اليوم في كتابه "فصول من السياسة الشرعية في الدعوة إلى الله" ص 96؛ حيث قال: "إننا نحكم لشخص ما أو لقوم ما بالإسلام إذا ظهر لنا من أحوالهم أو في إشارة ترشد إلى ذلك كأن نجدهم يصلون أو يسيرون في طرقات المسلمين، أو يلبسون ملابسهم، أو يسمون على طعامهم كالمسلمين، أو يشهدون أمامنا ألا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله"، والشيخ آغا رضا الأصفهاني في كتابه "مصباح الفقيه" الجزء الثالث ص 49، الذي يعد أحد الكتب المعتبرة عند الشيعة؛ حيث قال: "من أقر بالشهادتين يُعامل معاملة المسلمين من جواز المخالطة والمناكحة والتوارث حتى ولو علم نفاقه وعدم اعتقاده".

ومع أنَّ الكتاب يتضمن الكثير من الآراء الإيجابية التي تُعد مهمة جدًا وخاصة بعد الزلزال الطائفي الذي أصاب المنطقة في أعقاب الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 وأحداث ما يسمى بـ"الربيع العربي"، فإنه غلب على الكتاب الأسلوب الإنشائي البعيد عن المنهجية العلمية؛ حيث خلا الكتاب من أي نقد حقيقي لجذور الطائفية والتكفير في الفكر الإسلامي. ولم يقم بأيّ نقد حقيقي للموروث الشيعي والسُّني في التكفير، لأنَّ التكفير لا ينطلق من فراغ وإنما يملك ترسانة ضخمة جدًا من الروايات والفتاوى من فقهاء السنة والشيعة معاً، فمن يقارن بين هذا الكتاب وكتب أخرى ظهرت في الساحة مؤخرًا مثل كتاب "القراءة المنسية" للشيخ محسن كديفر، أو كتب حسن المالكي في الجانب السني يجد الفرق شاسعًا جدًا، فكتابا كديور والمالكي ناقشا ونقدا الموروث العقدي والروائي الشيعي والسني بشكل منهجي رغم التزامهما بالمنهج التقليدي في النقد الذي يتمثل في الجرح والتَّعديل.