الثلاثاء, 13 نوفمبر 2018

مقال : وفجأة ظهرت الـ"Phubbing"!

الأحد 08 يناير 2017 10:21 م بتوقيت مسقط

 

 

عائشة البلوشية

 

في اليوم العالمي للسان الضاد، وصلني مقطع فيديو يتحدث عن مصطلح عالمي جديد، تم استخدامه ﻷول مرة في العالم في اللغة الإنجليزية في عام 2012، هذا المصطلح جاء بعد اجتماع مكثف بحضور عدد علماء اللغة والروائيين والشعراء وكل من له علاقة باللغة الإنجليزية، حيث احتار الجميع بعد الثورة التكنولوجية الصارخة، والتي قفزت بعالم الاتصالات قفزات خيالية، كان الذي يتفوه بإمكانية حدوثها قبل عقدين من الزمان يصنف مجنونا، أو اعترت عقله لوثة ما.

فما بالنا بشكسبير وهو يكتب مسرحياته التي كنت أغص بكلماتها ومفرداتها المعقدة عندما أمر على بعض من حوار شخصياتها، لم يكن ليدر بخلده ولو لوهلة أن يرسم حوارا دائرا لشخصية "هاملت" الابن ممسكا بهاتف ذكي يتواصل مع صديقه المخلص الضابط "هوراثيو" عبر تطبيق "الواتس آب"، بل إن الهاتف الذكي قد يبدو هرطقة فارغة وعتها واضحا حينها، فماذا كان سيقول اليوم ونحن في عصر الاختصارات و"الترميز الكسول"، وذلك بعد أن احتار الجميع في إيجاد كلمة واحدة تعبر عن الفعل الصادر عن الشخص الذي ينشغل بهاتفه الذكي في موقف اجتماعي متجاهلا الشخص أو الأشخاص المشاركين له في الجلسة، وبعد مشاورات طويلة ونقاشات مثيرة في إحدى الجامعات في أستراليا خرج الجميع بكلمة واحد  (phubbing)، مختصرين شرح تلك الوضعية في كلمة واحدة. فانتشرت في اليوم التالي مباشرة لتدخل قاموس اللغة الإنجليزية، يخشى متحدثو اللغة الإنجليزية على لغتهم من الاضمحلال وبالتالي الانقراض، لذلك يبحثون دائما عمّا يصون استمراريتها على ألسن الناطقين بها.

ما بين الفينة والأخرى تنتشر طرفة من هنا وفكاهة من هناك حول مفردة من إحدى محافظات السلطنة، وقبل فترة ليست بالبعيدة انتشرت طرفة مفادها أن: (الحمدلله أن أجدادنا اخترعوا كلمة (تعايينابك) وإلا الواحد هين فيه بارض يقول: "لقد أوقعتنا في حيرة من أمرنا لأنك لم تثبت على رأي واحد")، فابتسمت عند قراءتها وتذكرت ذلك البرنامج الإذاعي الرائع الذي استوحى فكرة محتواه من "قاموس الفصاحة العمانية" لأبي القاسم محمود بن حميد الجامعي، والذي تم بثه قبل عدة أعوام، والجميل فيه أن الجميع كان ينتظر المفردة التي سيتم بثها في حلقة كل يوم، ويبدأون في إرسالها عبر خدمة الرسائل النصية، فبالرغم من تخصصي الجامعي في مادة اللغة الإنجليزية، إلا أن عشقي الأول هو للغة الضاد، كما إنني أتمسك جدا بلهجتي العبراوية -نسبة إلى عبري-، والتي أراها جميلة سلسة مثل باقي لهجاتنا المحلية، ورغم سكناي لفترة طويلة نسبيا في العامرة مسقط إلا أن لساني لم يتغير، ودائما ما أجد التعليقات تنتثر حولي عندما أتحدث بلهجتي، وأجدها علامة فارقة بين الحضور، وأفتخر بأولئك الذين يتحدثون بلهجاتهم، فهي تضفي نوعا من العفوية الصادقة وعدم التكلف، بل إن المتلقي تجده منتبها لألفاظك، ولكل شخص مطلق الحرية في تقمص الشخصية واللهجة التي يريد، ولكن عليه أن يحترم الشخص الذي يتحدث بلهجته وألا ينتقص من ثقافته واحترامه، وفي المرحلة الثانوية سعدت وكدت أحلق فرحا عندما علمت بأن استخدامنا لحرف الشين في نهاية الكلمات للتدليل على المؤنث هو من الفصاحة العربية، مثل قولنا: كيف حالش؟ عند سؤال الأنثى عن حالها، وأنّها سميت قديما بالـ"كشكشة"، ﻷننا كنا نتعرض للسخرية والاستهزاء، وأن المتحضرين ينطقونها باستخدام حرف الكاف، ومنذ أن صدر قاموس الفصاحة العمانية، بحثت عن الكتب التي تحدثت عن الألفاظ العمانية وجذور الكلمات، وذلك ﻷنني أرغب في الاستزادة من علاقة الألفاظ والمفردات التي نستخدمها في لهجاتنا الدارجة باللغة العربية الفصحى، لذلك تعلقت أكثر بلغة الضاد وبلهجتي العمانية الصرفة فكلاهما وجهان جميلان لعملة ذهبية باقية إلى الأبد.

مثلما جئت على ذكر أننا نعيش اليوم عصر "الترميز الكسول"، أردت أن أشرح هذا المصطلح أكثر، فثورة التكنولوجيا أهدتنا "الانترنت"، وظهرت مباشرة غرف الدردشة والبريد الإلكتروني وغيرها من مساحات الحوار الهادف وغير الهادف، فظهرت أشكال جديدة من اللغات الحوارية، مثل العربيزي، وهي الخليط بين اللغتين العربية والإنجليزية، هي ذلك الأسلوب من الكلمات العربية نطقا والإنجليزية كتابة مثل: (keif halish)، ثم دخول الأرقام التي تحل محل الحروف العربية (keif 7alish)، وهكذا يخرج لنا عشاق الدردشات بأشكال وأنماط جديدة، لكن الأحدث على الإطلاق هو ترميز الكلام بحرف واحد يدل على الكلمة، فعلى سبيل المثال أشهر هذه الشيفرات (ص. خ)، والتي تعني صباح الخير، و (س. ع) بمعنى السلام عليكم، وكانت تقتصر على الشباب صغار السن، وﻷننا في تسارع مذهل أصبحت أرى الكبار والمثقفين يستخدمونها، خوفي هنا ليس على اللغة، فاللغة محفوظة بكتاب الله الخالد القرآن الكريم، ولكنني قلقة على جمال اللغة واللهجات، فالسرعة الخاطفة في نطق الكلمة وكتابتها تفقدها ثوبها البهي، وتنسينا تذوق ذلك الجمال الخفي بين حروفها، فأغلب أطفالنا أصبحوا يستخدمون مفردات من خارج اللغة، وأبناؤنا أصبحوا يحذفون "ال" التعريف من أغلب الكلمات، وعندما تسأل أحدهم لماذا قمت بحذف الألف واللام يجيبك: "أسرع ياخي"!!!، يخشون بنطقهما يضيع الوقت من بين أيديهم، لا يدركون أن من فرّط في الجزء خسر الكل...

كم أرجو أن يكون اليوم العالمي للغة الضاد أكثر حماسا، وأكثر جذبا ﻷطفالنا وفتياننا وشبابنا، من خلال استخدام أسلوب الربط الجميل بين اللغة العربية الفصحى (لغة أهل الجنة) وبين لهجاتنا المحلية الجميلة، وتذكيرهم بالفنون الفلكلورية للغتنا الجميلة، وتذكير الأجيال الحالية بعلماء اللغة العمانيين أمثال الفراهيدي وابن دريد وغيرهما الكثير، نزرع فيهم الارتباط باللغة والانتماء للأرض من خلال اللغة بلهجاتها، ببرامج أكثر تشويقا وجذبا، وأن تغرس فيهم أن لهجة ولاية "السويق" في الباطنة شمال، التي تنتهي بحرفي الياء والهاء ليست مدعاة للسخرية، بل إنها جزء مهم من لهجات اللغة العربية، فسورة "الحاقة" نزلت بآياتها من الآية 25 إلى الآية 29 منتهية بهذين الحرفين (حسابيه، ماليه، سلطانيه)، أو أن نتندر ونقول اثنا عشر عاما من دراسة اللغة العربية ويأتيك أحدهم ليقول "بتزوجهي"، أي سأتزوجها، ﻷن من أطلق هذه الفكاهة غابت عنه علوم اللغة، وأن هناك قراءة معتمدة من قراءات القرآن الكريم تعرف بقراءة "ورش عن مالك" يقلب فيها المد بالألف إلى ياء، لذا لننتبه من أن التندر ببعض الأمور يوقعنا في مغبة غمط حق اللغة والناطق بها، بهذا وبكل ما سبق يصبحون أكثر تعلقا وفهما للغة واللهج...

 

 

توقيع:

"في زحمة العيد من حياك// يخدمن نخلهن يسورنة// حنا نعرف الخط من حياك// حد يتصل وحد يسوي رنة"..

شعر ميدان عماني.