السبت, 14 ديسمبر 2019
20 °c

مقال : جنة في قلب الخليج (3)

الإثنين 29 أغسطس 2016 06:04 م بتوقيت مسقط

 

 

عمَّار الغزالي

تستبشرُ ظفار بمستقبل سياحي واعد، تسردُ ملامحه ثقافة الرَّقم المستندة إلى الإحصائيات والمعلومات الدقيقة؛ ليتسارع النمو في المحافظة الضارب تراثها في أعماق التاريخ؛ معزِّزة التفاؤل ليس بعدد الزوار المتنامي -الذي بلغ هذا الموسم وحتى الآن ما يزيد على 583 ألف زائر- بل بانطباعات الرضا التي تترسَّخ عند الزائرين؛ حتى إنَّ نسبة كبيرة جدًّا ممن التقيت بهم خلال فترة تواجدي هنا في أرض اللبان يتوقون إلى زيارة جديدة؛ الأمر الذي يُعزِّز الطرح الذي نحن بصدده.

وقد آثرتُ أن أستهلَّ تلك السطور، باستعراض الأرقام التي أحصاها المركز الوطني للإحصاء والمعلومات؛ باعتبارها مربط فرس مهمًّا وأصيلًا في إبراز المسبِّبات التي توقد شعلة الأمل والطموح في نفوس المتطلعين لتحتل ظفار مكانتها على خارطة الاستثمار؛ وهو ما عالجنا بعضا منه خلال الحلقتين السابقتين.

وبعد أن سلَّطنا الضوء على مُقوِّمات تلك المحافظة الغنَّاء؛ وآلية "تدويل" مطار صلالة؛ كضمانة لجذب المزيد من الاستثمارات لمحافظة واعدة تستحق أن نُطلق عليها "أرض الفرص".. أقول بأنَّ سياسات التنويع والتطوير تستدعي التفكير "خارج الصندوق"، وإيجاد سُبل جديدة لإرواء ظمأ الثقة في نفوس المستثمرين؛ وفي رأيي أنَّ محاولة جادة لنفض الغبار عن قطاع "المعارض والمؤتمرات"؛ لإحيائه على هذه الأرض الثرية؛ كفيلة بأن تجعل منها رقما صعبا في معادلة النمو والنهوض، التي ترفل عُماننا اليوم في أثوابها القشيبة.

ويجيء هذا الطرح، من مُنطلق ما اطَّلعتُ عليه من دراسات الاقتصاديين وتحليلات الخبراء والمهتمين؛ والتي تؤكِّد عُمق العلاقة الرابطة بين متانة اقتصاديات اليوم، وقوَّة هذا القطاع فيها؛ حيث إنَّ قطاع المعارض والمؤتمرات يتقاطع مع جميع القطاعات الاقتصادية الأخرى، ويروِّج للصناعات الوطنية، ويقوي قنوات التواصل، ويرفع قدرات العاملين في القطاعات المختلفة كالزراعة، والسياحة، والتعليم والتدريب على سبيل المثال.

وفي تقرير لمجموعة "ليدرز جروب" للاستشارات والتطوير -ومقرها دولة الكويت الشقيقة- أوضحت أنَّ ثقافة المعارض العالمية راسخة منذ أكثر من قرن مضى، وبعضها اكتسب شهرة وبات من المزارات والعلامات البارزة للدول المنظِّمة لها، وأصبح لها زوار من مختلف أنحاء العالم؛ من بينها: معارض "كوانزو" في الصين والتي تقام في دورتين لكل عام منذ 1957م، وكذلك معرض باريس الجوي الذي يقام في السنوات الفردية ويعود تأسيسه للعام 1909م، ومعرض فرانكفورت للسيارات والذي تأسس عام 1911م، حيث باتت تلك المعرض مناسبات مهمة وبارزة في تلك الدول يتم التحضير لاستضافتها على مستوى حكومات الدول المستضيفة لها.

وهو ما يُؤكِّد التوجه القائل بأنَّ قطاعًا مثل "المعارض والمؤتمرات" كفيلٌ بأن يكون مولِّدا كبيرًا للوظائف الدائمة والمؤقتة؛ حيث سيتطلب الاهتمام به وصقله إنشاء مدن ومراكز ومرافق مُصاحبة، وشركات إدارة وتنظيم الفعاليات، ومؤسَّسات مُورِّدة للفعاليات، وشركات إدارة الوجهات؛ مما يزيد الفرص الوظيفية أمام المواطنين؛ ويُسهم في تقليص أعداد الباحثين عن عمل، والتي باتت مُشكلة تؤرق المجتمع العُماني، ولن أخوض في تفاصيل تلك المشكلة كثيرا حتى لا يطول المقام.

كما سيفتح الاستثمار في هذا القطاع الأبوابَ مشرعةً أمام تعزيز التبادل التجاري والمعرفي والصفقات التي تُعقد خلال الفعاليات، إضافة لمصروفات الزوار الدوليين على السكن، والمواصلات، والخدمات السياحية، فضلا عن إيرادات الجهات المالكة والمنظمة؛ كحقوق الرعاية، ورسوم التسجيل، وبيع مساحات للعارضين، وبيع حقوق البث الإعلامي...إلخ، كما سيُمثِّل فرصة مواتية لتسويق المنتجات وزيادة الأنشطة الدعائية، وإبراز الفرص الاستثمارية في المحافظة وتحفيز الاستثمارات.

وفيما كانت البداية مع الأرقام، أظن أنها الأولى كذلك في الاستمرارية معنا؛ ففي منطقة الخليج، هناك العديد من الدول التي استثمرت هذا القطاع بشكل جيد جدًّا؛ ومن بينها: دولة الإمارات العربية المتحدة، خصوصا إماراتي دبي وأبو ظبي، حيث تستضيف دبي بمفردها سنويا نحو 200 معرض ومؤتمر دولي تنظم وفقا للمعايير العالمية. أما أبو ظبي، فهناك نحو 180 فعالية دولية يتم الإعداد لها سنويا بمستوى احترافي، ويُذكر أن حجم الاستثمارات العاملة في قطاع المعارض في دبي يقدر بنحو 10 مليارات دولار؛ وعلى ما يبدو أن تلك المدينة تستعد لنقل القطاع إلى مستوى أداء أعلى من الأداء الحالي، لاسيما مع بدء التحضير إلى استضافتها لمعرض إكسبو 2020 العالمي، ومازالت الفرصة سانحة للدخول هذا القطاع لكل من خطط له التخطيط السليم

وما يُعززِّ الطرح ذاته، ذاك الارتباط الوثيق الذي يجمع قطاع "المعارض والمؤتمرات" وصناعة السياحة؛ خاصة الفنادق، ومُنظِّمي الرحلات، وشركات السفر والسياحة..وغيرها من الأنشطة والمهن السياحية، وتأثير كل منهما على الآخر. وفي أغلب الدول التي أعلتْ كعب هذا القطاع منذ سنوات، بدأت اليوم ربط إستراتيجياتها السياحية بإستراتيجيات تنميته؛ وهو ما أبرزته تقارير منظمة السياحة العالمية؛ حيث تلمِّح إلى أنَّ الرحلات السياحية بغرض حضور المعارض والمؤتمرات تمثل أكثر من 15% من إجمالي السياحة في العالم؛ بواقع أكثر من 135 مليون رحلة سياحية؛ ويُمكن الاستفادة من هكذا حراك في إثراء رُزنامة الفعاليات بما يُسوِّق للسلطنة ويبرز هُويتها المتفرِّدة؛ خصوصا وأنَّ لدينا موروثاً لا يُستهان به توارثناه كابرا عن كابر.

وبالإضافة إلى ذلك، يلعب قطاع "المعارض والمؤتمرات" دوراً محوريًّا في جلب الخبراء وتوطين المعرفة من خلال إكساب كفاءاتنا الوطنية مزيداً من المعارف والعلوم والخبرات الجديدة والممارسات المهنية المطوَّرة، بما يُشكله من عنصر أساسي في التحول للاقتصاد القائم على المعرفة؛ باعتباره وسيلة لتطوير قطاعات الأعمال والمجتمعات المهنية والأكاديمية، ويُسهم في إيجاد بيئة خصبة لتنمية التواصل والترابط بين مجتمعنا المحلي والمجتمعات ذات المصالح المشتركة، بما يصبُّ في صالح تنمية رأس المال البشري، كما يعتبر وسيلة ممتازة للحوار مع الحضارات، وتحسين الصورة الذهنية للدولة، وتعزيز مكانتها الاقتصادية دوليًّا.

... إنَّ مقولة باولو كويلو "إن كنت تعتقد بأن المغامرة خطر، فجرِّب الروتين فإنه شيء قاتل"، تدفع بلا شك نَحْو استثمارات أكبر في هذا القطاع والتأسيس عليها، من خلال تعزيز ثقافة المعارض والمؤتمرات في المجتمع المحلي ابتداءً، واستحداث جمعيات ومنظمات متخصِّصة، ورفع نسبة الاستثمار في المنشآت والشركات المنظِّمة والموردة لها، وتوفير مراكز تدريب وتأهيل تضمن تخريج كوادر وطنية على أعلى مستوى، يُمكنها أن تجاري تلك الصناعة التي باتت مصدراً مهمًّا لرفد مداخيل الدولة، مع توافر جهات خاصة تستفيد منها وجهات حكومية تشرف عليها وتعمل على تطويرها ودعمها؛ من خلال مُشاركة العامَّة في عملية تطوير المنتج، والتعليم، والاستثمار، والتطوير المهني، وتبادل الأفكار والمنتجات والتقنيات الجديدة، خصوصا وأنَّ الحديث يدور حول إسهام هذه الصناعة في تنشيط الاقتصاد الوطني، وتجنيبه المزيد من الأزمات.

وفي رأيي، أنَّ ظفار بما تملكه من إمكانات جاهزة تماما لاحتضان "ضربة البداية" في استثمار تنموي كهذا؛ نظرا للبُعد المكاني والتاريخي لتلك المحافظة، والكفيل بأن يضعها ليس على أول الطريق، ولكن في منتصف الطريق بمقوِّماتها الغنية التي تختصر مسافات التأهيل، خصوصا الطفرة والرعاية التي توليها حكومتنا الرشيدة لجعلها مدينة سياحية بارزة في قلب الخليج، بل والعالم العربي أجمع. فهل سنسمع قريبا عن خطة حكومية واضحة المعالم للاستثمار في قطاع "المعارض والمؤتمرات" ترفع نسب الدخل وترفد الناتج القومي عبر صلالة ..أرض الاصالة والمجد؟!.. آمل ذلك.

اشترك في حسابنا على يوتيوب لمشاهدة فيديوهات لأهم الأحداث العالمية والإقليمية