الثلاثاء, 18 سبتمبر 2018

خبر : ما يشبه الرواية...!

الأحد 13 مارس 2016 11:11 م بتوقيت مسقط

هلال الزَّيدي *

تردَّد كثيرًا قبل أنْ يُمسك بزمام الأحرف ليصوغ أوديسة أو إلياذة؛ لأنه موقن بأنَّ النقش على الحروف يتطلب مهارة و"حرفنة" (حرفية) لأبعد الحدود؛ وذلك من أجل بقاء صيتها وصداها في كل ناحية من نواحي ذلك الامتداد المليء بالمعاناة وشيء قليل من المصادفات التي لم يتفطن لها؛ لأنَّه يعلم علم اليقين بأن ليس كل ما يُكتب يُقرأ، وليس كل ما يقرأ يكتب، والناس يقعون على شاكلات مختلفة بحسب توجهاتهم، لكن عليه أن يصل إلى نضوج فكري معرفي ينتقي اللفظة قبل الأخرى لتعطي معنا لفظيا ومعنويا عند الآخر، لا يريد أن يكتب فحسب، وإنَّما لا بد من هدف يتجسد في ذاكرته التي تنهش فيها أحداث جسام.. فقط يريد الوقت، وهو موقن بأنه لا يمتلكه، وهناك من يدفعه بين الفَيْنة والأخرى إلى هذا البحر الهائج.. إنها هي.. الأنثى الوحيدة التي ترى قدراته الكامنة منذ تلك السنوات العجاف. أما الأخريات كذلك فيدفعن به إلى تلك اللجة.. لا يدري أهي مجاملة أم إعجاب وتقرُّب.. لا يهم.. تبقى دفعة إلى الأمام.

هو الوقت إذن.. فالوقت لم يصبح له وحده؛ فهناك الزوجة والابن والابنة ومستلزمات لا تنتهي في قاموس الرجل الشرقي الذي لا يتوقف عن العمل والذهاب، لكنَّ المحصلة النهائية قليلة جدا. لا يدري هل هو سوء تخطيط؟ أم لا نعرف ماذا نريد؟ هي التباسات حياتية تسير معنا في كل زفرة من الحياة، ولكثرة الالتفاتات نتأخر كثيرا عن الآخرين لأننا نشغل أنفسنا بما ليس لنا.. هكذا جُبلنا، هي أطباع لا تتغير. سبحان الله.. وفي نهاية المطاف ديون متراكبة وعيون زائغة تريد كل شيء.. يا للغرابة من تلك الحياة.

هو يقول بين نفسه: أريد وقتا لأنجز مشروعي الذي أتمنى أن يجد الحياة؛ فالحياة نبض عليَّ إيقاده في ذلك الموقد لأستأنِس بدفئه المسترسل عبر إسقاطات الحياة التي تتقاطع حولها الأيديولوجيات.. آه كم هي الأمنيات عندما تتزاحم في عالم لا يُؤمن بها، وليس كل ما يتمنَّاه المرء يدركه، لقد حفظنا هذا البيت عن ظهر قلب، ويجده مُحبطًا كثيرا لا يدفع إلى خوض التجرية، وإنما الرضوخ لمجريات المعيشة اليومية.

في إحدى الليالي الجميلة، وعلى تلك الطاولة المطلة على شاطئ شانجريلا.. نعم شانجريلا، الذي شُيِّد لأجلهم هم القادمون عبر المحيطات ليستمتعوا به لأنه في متناول أيديهم. "حقا".. وجودهم في تلك الليلة كان من باب الفضول فقط، لكنهم أرادوا أن يجربوا ويعرفوا موطنهم والأماكن التي تروض النفس بهدوئها؛ فالبحر يُعانق تلك الجبال مُداعبًا الشُطآن الرملية الناعمة.. وهناك موسيقى تقليدية تنساب على وقع الطبل وزغاريد النساء.. وجملة من الأراجيل تزاحم صفاء المكان ونقاء الهواء.. ما أجمل المكان لولا هذه السحب المتقاذفة من أفواه أولئك البشر.

هي همستْ له: قُل لي، ألا يوحي لك هذا المكان بقريحة لبداية مشروعك الذي لا تأبى أن تبدأ فيه؟ لماذا لا تأتي إلى هنا لتكتب؟

مبتسما وساخرا في نفس الوقت: وهل تعتقدين أنَّني أستطيع أن آتي إلى هنا لأكتب؟ ألم تنظري إلى هذه الطاولة جيدا.. فقط الجلوس عليها يفوق العشرة ريالات، ومن ثم انظري إلى قائمة الطعام هذه.. الأسعار لا تتماشى مع جيبي المخروم حبيبتي. علينا أن نذهب قبل أن يأتينا النادل الآسيوي.

يذهبا كأنهما نسيا شيئا في السيارة؛ وذلك من أجل أن يغطيا على تلك العيون الموجهة إليهما.. يلحق بهم النادل ويقول: "هل أستطيع خدمتكما". هو ينظر إليها وهي تنظر إليه كأنَّ أحدهما ينتظر أن يرد عن الآخر.. فهما في ورطة.. فيرد متلعثما: شكرا لك، سنعود، لقد نسينا شيئا.. نعم سنعود. ويذهبا.. تساورهما ضحكات وإحراجات لا تنتهي حتى باب السيارة.

صمتٌ يعم الأجواء، تناوشه هي بسؤال مباغت: كم تحتاج من الوقت يا حبيبي لتنجز مشروعك الكتابي؟ فيرد عليها: أحتاج إلى ثلاثة أشهر في مكان بعيد عن كل الالتزامات وأعباء الحياة، في مكان تغازله الأمواج كل حين؛ لتستفز القريحة والشعور؛ فهناك أماكن تستنطق الحالة الشعورية التي تتولد لدي بين حين وآخر، وربما هذا المكان سيكون في الأحلام.

ينتهي بهم الطريق أمام مطعم "دوستين".. ما رأيك.. أظن أننا نستطيع أن نحلق في عالم البهارات، وهذا مكان يليق بنا، أقصد بجيبي.. حقا.. إذن دعنا نسكت جوعنا.

هكذا هو: يريد أن يتمرَّد على الواقع، لكنه لا يلبث إلا أن يعود إليه مرة أخرى؛ فالواقع جزء لا يتجزَّأ من عالمنا، وعلى الرغم من أن هناك من يحاول تمرير بعض الإضافات لكنها لا تتناسب ومقاييس الهوية والخصوصية؛ فتبدو مقحمة إلى أبعد الحدود، لكن ومع الازدهار في الحياة من حيث تنشيط الإبداع، فإنَّ هناك ثمَّة بارقة أمل لإحداث شيء يُذكر بقدر ما يكمٌن في دواخلنا من إرادة ومحبَّة للتغيير الذي لا بد أن يسير وفق مبادئ ونظم حياتية "لا ضَرَر ولا ضِرَار".. فمن يستطع أن يستغل المواقف، يكن قادرًا على تخطي المسافات التي تحتاج إلى أزمنة بعيدة؛ فمثلا المنصب، والقبيلة والمحسوبية...وغيرها الكثير من تلك الأشياء هي محركات تستطيع زحزحة الأنظمة والقوانين الوضعية لمصلحة ما.. فكم من وزير ووكيل ومدير عام ومسؤول عاث بما لديه من مسؤوليات لمصلحة ذاتية، هم البشر هكذا لا يستطيعون أن يسيروا في حيادية تامة، لا بد من تغيير جذري في حياتهم الخاصة؛ لأنه نعيمُ المنصب وما أدراك ما المنصب! حتى وإن كان عضوا منتخبا في مجلس للشورى أو مجلس بلدي.

هي الأمثلة واضحة للعيان.. فكم من متسلق عبر من فوق تلك الأكتاف التي ذهبت إلى الترشيح؛ لأنها القبيلة، وعدم المعرفة بالعمل البرلماني وحاجة الناس إليه، فقط عشرين ريالا تضمن بها الصوت لتغرِّد في كل الأماكن وكيفما شئت. هو بلوغ مرتبة يريدها الشخص لذاته وليس للآخرين، لكنه يتدثر برغبات وسلمية الآخرين؛ فالأجندة تظهر فيما بعد. وأتوقع السجن لمدة خمس سنوات لا يكفي لأحدهم أراد أن يكون منبرا ثانيا. أما المجالس البلدية، فاختلط حابلها بنابلها ولم يعرف صاحبنا ما له وما عليه؛ فقط لأنه خسر جولة الشورى، فأراد أن يصل إلى البلدي؛ فتحقَّق له حلمه ليعيث فسادا ومؤامرات في كل اتجاه؛ فهو يشبه بذلك المثل "يحرق ويصيح بالحريقة".. طبعا كوَّن عصابة تبحث عن خبز يومها؛ فمنهم الأرجوز ومنهم الساقي ومنهم الباحث عن سمعة اسميه؛ لأنه مع الشيخ في حله وترحالة.. وكما يقال: "كلب الشيخ.. شيخ".

يوجه إليها علامات الاستفهام.. قائلا: أليس هذا هو التغيير الذي تتحدثين عنه؟ قولي لي.. كم من شخص يتغنَّى اليوم بالتغيير والانتقال إلى مرحلة أخرى؟ كيف هذه المرحلة التي تودون صياغتها؟ لا تتجرؤ على التغيير، ألزموا أنفسكم بالثقافة والمعرفة لا الغوغائية!

تباغته وترد عليه: كل هذا الربيع المتتالي ولا تغيير.

يُقاطعها ويقول: مهلاً، قلتي الربيع، آه.. إنها خدعة لا نقوى عليها، عن أي ربيع تتحدثين!! دعك من كلام الإعلام؛ فهم يقولون ما لا يفعلون؛ لأن ربيعكم ليس لكم فابحثوا عن مسميات تليق بكم.. ولا تسقطوا مصائب الآخرين على سلميتكم وأمانكم.. التغيير والربيع يبدآن من دواخلكم وذواتكم.. فرِّقوا أولا بين الصيف والشتاء والخريف، ومن ثمَّ تفكروا في الربيع ومفردات التغيير.

صمتٌ يسود أجواءهم؛ فينظر إليها.. ويقول: الساعة الحادية عشرة، عليك أن تخلدي إلى النوم، واحترسي حتى لا تداهمك أحلام الربيع. ترد عليه وتقول: تصبح على خير.

----------------------

همسة: ما جاء في هذا المقال جزءٌ من بداية خربشاته، أراد أن يُطلق عليها رواية.. فهل يا تُرى يقع في قالب الرواية، أم الهواية؟

* كاتبٌ وإعلامي

[email protected]