الأربعاء, 21 نوفمبر 2018

خبر : أن تصبح دمشق قبلة لأحرار العالم

الإثنين 19 أكتوبر 2015 10:26 م بتوقيت مسقط

علي بن مسعود المعشني

أن تعلن كوبا استعدادها لإرسال وحدات مهام خاصة من جيشها العقائدي العتيد للقتال إلى جانب وحدات الجيش العربي السوري، وقبل أن يجف مداد الحبر الموقَّع بينها وبين واشنطن لعودة العلاقات الدبلوماسية بينهما، بعد قطيعة أشبه بفصول الحرب الباردة دامت لأكثر من خمسة عقود، فإن ذلك مؤشر واضح على عودة الصراع بين معسكرين في العالم، وأن دمشق تمثل لُبَّ وعنوان هذا الصراع، وأن عقيدة هذا الصراع وماهيته وعنوانه فريدة من نوعها وليس لها سابق.

إلى العام 1988م، كان الرأي العام الغربي -والأمريكي على وجه الدقة- يعتقد أن الصراع في الشرق الأوسط، هو صراع بين بلادهم والاتحاد السوفيتي على النفوذ في المنطقة، حيث لاعلم لهم مُطلقًا بقضية محورية اسمها فلسطين ولاشعب عربي، ولا وطن عربي مفتَّت من قبل سايكس/بيكو منذ عام 1916م. لهذا سَهُل الأمر على صناع السياسية الغربيين لتمرير جميع سياساتهم التدميرية ومؤامراتهم الخسيسة على الأمة مستغلين هذا الجهل المطبق من شعوبهم بحقيقة مايدور على أرض الواقع وأثره ومغزاه في المدلول التاريخي ولغة الحضارات.

حرب الكويت عام 1991م بالتحديد يمكن أن نعتبرها مفصلًا تاريخيًا حادًا في الوعي الجماهيري الغربي؛ حيث شكلت هذه الحرب أول حدث جلل للإدارة الأمريكية بعد حرب فيتنام، والتي أصابتها بكل أعراض الانكفاء ومظاهر عجز القوة، وأول حدث تاريخي عظيم في عصر ثورة الاتصالات والمعلومات العابرة للقارات.

حرب الكويت منحتْ الإدارة الأمريكية شيئًا من الشرعية والذريعة لصون العقيدة العسكرية التي شابها الكثير من العجز والفتور بعد حرب فيتنام، وشيئًا من الدجل السياسي والتضليل للرأي العام العالمي بالثقافة "اليسوعية الأمريكية" المحررة للشعوب والباسطة للديمقراطيات والمتصدية لمظالم الشعوب في العالم، تحت مبرر الاحتلال العراقي لدولة ذات سيادة وعضو في الأسرة الدولية وفي ظل القطبية الواحدة؛ حيث اختزلت أمريكا بعدها الشرعية الدولية والمجتمع الدولي في ذاتها.

تداعيات حرب الكويت والحصار الجائر للعراق وعقابه الأبدي بعد إخراجه من الكويت وتحريرها، ثم احتلاله والتنكيل به عام 2003م، شكلا وعيًا سياسيًّا وصنعا مفاهيم أخلاقية جديدة لدى الرأي العام الغربي على وجه التحديد ووخزة حادة في الضمير العالمي الإنساني،في ظل تشابك العالم تقنيًّا وتحوله لقرية كونية صغيرة بفضل ثورة الإتصالات والمعلومات التي عرفها العالم في العقود الأخيرة.

ولنا أن نستعيد بذاكرتنا المظاهرات المليونية -غير المسبوقة- في العواصم الغربية المندِّدة بالعدوان على العراق قبيل غزوه، ثم حرب لبنان 2006م وحروب غزة؛ لنقف على حقيقة التشكل الأخلاقي الكبير الذي شهده العالم وطرأ عليه من أثر التفاعل العضوي للضمير الإنساني عبر ثورات الإتصال والمعلومات.

رمزية دمشق للضمير العالمي الإنساني المعاصر بمؤثراته الجديدة، تجعل من الصراع القائم والقادم بين معسكرين حقيقيين: معسكر أخلاقي ومؤيد للشرعية الدولية والمواثيق والأعراف التي ارتضتها الأمم المعاصرة كقواعد عامة للصراع والخلاف وإرساء السلم والأمن الدوليين، ومعسكر يرى مصالحه وقوته قانونا وشرعية بديلة للعالم.ومن هنا، فقد خرج العالم من عباءة الصراع الأيديولوجي الشيوعي/الرأسمالي فيما مضى، إلى صراع أشمل وأوسع وهو صراع القيم والأخلاق الإنسانية، وهو الصراع الذي ترقبته البشرية طويلًا ليعيد السوية والنصاب والمشروعية للعالم بأسره ويؤطر الصراعات والتدافع بين البشر بالأطر العقلية والأخلاقية التي توارثها الناس.

الصراع اليوم تجلى وانحصر بين الخير والشر،الإيمان والكفر،الجهل والعلم، التخلف والتطور، الحرية والعبودية، التسامح والإقصاء، الحياة والموت، الوحشية والفطرة السليمة. لهذا مثلت دمشق كل مفاهيم هذا الصراع وأدواته وتفاصيله، وحرضت أحرار العالم على التضامن معها ومناصرتها والوقوف معها، كون الصراع كونيًّا، ولم يعد يعني جغرافية بعينها رغم الشعارات المضللة التي تُذر في العيون وعلى المسامع.

كوبا هي ملهمة أمريكا اللاتينية وشعوبها في النضال والمواجهة، ومناصرتها العسكرية لسوريا تعني تحريضَ مَنْ يدور في فلكها لتلمس خطاها، بصور وأشكال تعبيرية تتعدى المواقف السياسية والدبلوماسية، والموقف الكوبي يحمل الفصل بين عودة العلاقات مع أمريكا واستقلالية السياسة الكوبية واحترام موروثها النضالي.

وحين ننظر للجغرافيا السورية اليوم ونجدها مشحونة بالروس والصينيين والإيرانيين والكوبيين والكوريين الشماليين، وألوية المقاومة من حزب الله والفلسطينيين واللواء القومي العربي وغيرهم، فلابد لنا أن نعي أنَّ المسألة تعدت المصالح بلغة السياسة وقواعد الصراع التقليدي إلى ماهو أبعد كونيًا وإنسانيًّا بكثير وهي عودة شديدة التطابق بحقب الخمسينيات والستينيات من القرن المنصرم حين امتزجت دماء أحرار العالم لنصرة قضايا إنسانية مصيرية وملحة كثورات الجزائر وفيتنام والقضية الفلسطينية.

فسوريافي حقيقتها مزيج من الكرامة والقدسية الدينية والمواطنة العالمية والممانعة الأزلية والسوية الإنسانية؛ لهذا تحصَّنت من السقوط واستعصت على المؤامرات وتجاوزت المفاصل الحرجة بمناعتها الطبيعية، وأجبرت المترددين والمتجاهلين والوجلين على فهم كل دقائق المخطط وأبعاده ومراميه، وألزمتهم أخلاقيًّا باللحاق بنهجها المقاوم لإنقاذ البشرية أولًا وسوريا ثانيًا، بعد أن كشفت لهم حقيقة العدو وأطماعه وهشاشته.

فدمشقليستعاصمة،وسورياليستكياناجغرافيا،بلقصةمُلهمةللشعوبوعابرةللحدودوالأجيال،وثقافةإنسانيةلمفهومالعزةوالكرامةوالكبرياء،وانتصارالقيمالنبيلةوالحقوالإرادة،والحضارةعلىالمدنية،والإستراتيجيةعلىالتكتيك،والعقلعلىالجهل،والاعتدالعلىالغلو،والخيرعلىالشر،والوطنيةعلىالمواطنة،والدينعلىالمذهبية،والأمةعلىالطائفة، والتاريخ على الجغرافيا، بلهيملحمةإنسانيةمتكاملةالفصول.

لهذا.. لم يعد من المقبول اليوم أو المعقول أن نتحدَّث عن لغة المصالح لهذا الطرف أو ذاك في سوريا، بل مع سوريا، فقد تطابقت المصالح إلى درجة التكامل العضوي والندية المطلقة، ولم يعد هناك كبير وصغير أو بعيد وقريب، بل ذابت جميع الفوارق لتشكل تحالفًا عابرًا للحدود والأعراق والثقافات والعقائد، بل وقواعد المألوف كذلك.

------------------------

قبل اللقاء: يقول وول ديورانت مؤلف موسوعة الحضارة:"لكل إنسان وطنان: وطنه الأصلي، وسوريا".