مُزنة الغافريَّة
"الفئران آتية.. احموا الناس من الطاعون!"، شعارٌ اتخذه مجموعة من الشباب الكويتيين في رواية "فئران أمي حصة"، وهو الشعار الذي اتخذه الرَّواي على لسان فؤادة -إحدى الشخصيات المؤثرة والتي خُلِّدت في أحد المسلسلات الكويتية زمن الثمانينيات- وها هي الفئران التي تحدث عنها السنعوسي تتسلل إلى بلادنا العربية لنشر الطاعون!
يُبْدِع السنعوسي في توظيف الدلالات الرمزية والمكانية والزمانية لسرد رواية تجمع بين واقع الماضي وخيال المستقبل؛ حيث إنَّ الراوي سرد الأحداث بطريقتين: أحداث آنية وهي عبارة عن أحداث تصور مستقبل مُظلم لوطن اتهزت أركانه بسبب الطائفية وصراع الهويات. وهي عبارة عن أحداث حدثت في يوم واحد من عام 2020م، مع ذكر بعض الدلالات الرمزية الخيالية الخرافية؛ مثل: تباع الجيف وهو عبارة عن طائر أسود ضخم ينقض على أي جثة مهملة لم تجد طريقها إلى نهر البين، الذي تلقى فيه جُثث الموتي، في حين تحوَّل البلد (الكويت) إلى أرض مليئة بالجثث.
وهناك أحداث استرجاع ذكريات الطفولة لسارد ثمانينيات القرن الماضي؛ حيث إنَّ الماضي بما يحويه من أحداث ما هو إلا بذرة للطائفية والواقع المر المظلم للمستقبل. أشار السارد إلى حيه القديم "السرة"؛ حيث بيت جارته العجوز "حصة"، والذي شهد صراعا بين صالح "ابن حصة" وجاره عباس، اللذين ينتميان إلى طائفتين مختلفتين. وأحداث الغزو العراقي للكويت والتدخل الأمريكي وما له من تأثير في زيادة الطائفية، وما خلفه من حقد وكراهية بين الناس. وأشار السارد إلي أسماء الشخصيات والتي تدلُّ مباشرة على انتماءاتهم الطائفية والمذهبية. بينما وضع نفسه موضع الحياد، مُتجنبا ذكر اسمه صراحة.. مشيرا إلى "كتكوت" اللقب الذي صاحبه زمن طفولته.
وتنقسمُ الرواية إلى 4 أقسام أو 4 فئران "جمر، شرر، لظى ورماد". كل فأر هو مرحلة من مراحل حرب الطائفية التي أدت لمستقبل مسخ غير واضح المعالم، مستقبل مظلم مشبع بالكراهية والحقد.. "النار ما تورث إلا رمادا"! تتنوع الأساليب والمشاعر في الرواية؛ ففيها: الحزن، الترقب، الخوف، التشويق، الدهشة والملل أحيانا.. مؤكدة على حياة اجتماعية إنسانية لوطن مهدد نحو مستقبل لا مجد فيه إلا للظلام.
... تعدُّ الرواية عبارة عن وثيقة سردية محذرة من مستقبل مظلم غير محدود والتي نُشرت عن دار العربية للعلوم (ناشرون) في لبنان 2015م، للكاتب الكويتي سعود السنعوسي مؤلف رواية "ساق البامبو" الحائزة على الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر) 2013.
