خالد بن سالم الغساني
التصريحات السياسية لكبار المسؤولين، ممن لا يزالون على رأس السلطة، لا يمكن التعامل معها باعتبارها مجرد زلات لسان أو آراء شخصية تُقال وتمر بسهولة؛ فهي، حتى حين لا تعبّر عن سياسة رسمية معلنة، تظل مرتبطة بالبيئة الفكرية والسياسية التي تجعل صدورها ممكنًا، ولا سيما حين تأتي من مسؤول رفيع في دولة تملك من القوة والنفوذ ما يمنح كلماته وزنًا سياسيًا يتخطى حدود الموقف الشخصي.
ومن هذا المنظور، أقرأ تصريحات سفير الولايات المتحدة الأمريكية لدى دولة الكيان الإسرائيلي المحتل، مايك هاكابي، التي أبدى فيها تقبله لفكرة امتداد السيطرة الإسرائيلية إلى أراضٍ واسعة في المنطقة استنادًا إلى تصورات توراتية تمتد من النيل إلى الفرات. المسألة، من وجهة نظري، لا تتعلق فقط برأي فردي استفزازي، وإنما بما يكشفه من حضور للعقل الاستعماري القديم، الذي يعيد إنتاج نفسه بأدوات حديثة، ويُسوَّق بلغة سياسية متعالية تتعامل مع جغرافيا المنطقة وحدود دولها وسيادتها كما لو كانت مساحة مفتوحة لإعادة التشكيل وفق إرادة القوة، لا أوطانًا لشعوب لها تاريخها وحقوقها وسيادتها وإرادتها، وكأن إنسان هذه المنطقة لا وزن له ولا اعتبار في تقرير مصيره ومستقبله.
وقد يكون من السهل، بعد أشهر على صدور هذا الكلام، اعتباره واقعةً مرّت وطواها تسارع الأحداث. غير أن ما شهدته المنطقة منذ ذلك الحين يجعل العودة إليه أكثر ضرورة. فمع اتساع نطاق المواجهات، وتصاعد التدخل العسكري المباشر، وإعادة طرح موازين القوة وترتيبات الأمن الإقليمي على نحو أكثر حدّة، أصبحت المسألة متصلة بتصور أعمق يمنح القوى الكبرى حق تقرير شكل المنطقة، ورسم موازين القوة فيها، وتحديد ما هو مسموح لدولها وما هو محظور عليها، ويضع شعوبها وإرادتها أمام معادلة لا تزال القوة تؤدي الدور الأكبر في رسمها، أكثر من كونها متعلقة بما قاله السفير الأمريكي.
هذا خطاب يكشف بوضوح عن اطمئنان بالغ إلى فائض القوة، وعن تلك الذهنية التي ترى أن الهيمنة يمكن أن تتحول إلى حق ما دام ميزان القوة يسمح بفرضها.
فكرة السيطرة هذه تستدعي تاريخًا طويلًا من الإمبراطوريات الأوروبية التي قامت على افتراض تفوق ذاتي، أو أخلاقي أو عرقي أو حضاري، استُخدم لتبرير إخضاع الآخرين وإعادة تشكيل جغرافيتهم السياسية والاقتصادية وفق مصالح المركز. فبريطانيا وفرنسا وهولندا، ومن قبلهما البرتغال وإسبانيا، لم تقدّم توسعها في مناطق آسيا وإفريقيا والأمريكيتين باعتباره نهبًا مجردًا، بقدر ما أحاطته بخطابات عن النظام والتمدين والاستقرار. وكانت الحصيلة، في مناطق واسعة من العالم، إخضاع المجتمعات، واستنزاف الثروات، وإعادة رسم الحدود، وبناء أنماط من التبعية تركت آثارًا سياسية واجتماعية عميقة ما زال بعضها حاضرًا حتى اليوم.
وفي هذا السياق، تبرز دولة الاحتلال الإسرائيلي كمشروعٍ استيطانيٍ نشأ في قلب مرحلة استعمارية، واقترن قيامه باقتلاع ملايين من الفلسطينيين من أرضهم، وممارسة أبشع أنواع القتل والتنكيل بمن تبقى منهم داخل تلك الأراضي المحتلة. وفي غزة لاحقًا، ثم توسع بالاحتلال وفرض الوقائع بالقوة. وما تزال سياساتها في الأراضي الفلسطينية المحتلة تقوم على توسيع الاستيطان وفرض الأمر الواقع، والسعي إلى ترجمة التفوق العسكري إلى مكاسب سياسية، في ظل دعم غربي، ولا سيما أمريكي، وفّر لها على مدى عقود مظلة سياسية وعسكرية واسعة.
والخطورة الحقيقية في خطاب من هذا النوع بقدر ما تكمن في مضمونه، فإنها تتوسع وتمتد إلى ما يمكن أن يسهم في تطبيعه وشرعنته؛ فحين يصبح مقبولًا أن تُناقش سيطرة دولة على أراضي دول أو شعوب أخرى باعتبارها احتمالًا سياسيًا مشروعًا، فإن المسألة تتجاوز حدود الإساءة اللفظية إلى جوهر النظام الدولي نفسه: مبدأ السيادة، وعدم جواز الاستيلاء على أراضي الغير بالقوة، وحق الشعوب في تقرير مصيرها.
وهنا تكمن خطورة اللحظة الراهنة. فإذا أصبح ميزان القوة قادرًا على تجاوز القواعد كلما تعارضت مع مصالح الأقوى، فإن القانون الدولي يفقد وظيفته بوصفه إطارًا يفترض أن ينظم العلاقات بين الدول، ويتحول في الممارسة إلى قواعد تُطبَّق بصورة انتقائية. وعندها يصبح السؤال متعلقًا بمستقبل النظام الدولي نفسه: هل تحكمه القواعد، أم تحكمه القدرة على فرض الأمر الواقع؟
وعلى المستوى الاستراتيجي، فإن مثل هذا الخطاب يستعيد منطقًا مألوفًا في تجارب الهيمنة، وهو الاستناد إلى قوة إقليمية متفوقة عسكريًا بما يخدم مصالح القوة الكبرى ويُقلِّل كلفة تدخلها المباشر. وفي هذا السياق تصبح دويلة الكيان، بما تمتلكه من تفوق عسكري وتكنولوجي، وما تحظى به من دعم أمريكي واسع، عنصرًا رئيسيًا في بنية القوة الإقليمية.
مع علمنا بأن الهيمنة لا تضمن الاستقرار، وإنما تُوَلِّد نقيضه تمامًا، في صورة مقاومة، وسباقات تسلح، وتحالفات مضادة، ومجتمعات تعيش تحت ضغط دائم، ومنطقة تظل قابلة للانفجار مع كل تغير في موازين القوة.
وبعد جملة الإدانات التي صدرت ردًا على هذا التصريح الاستفزازي، فإن القضية الأعمق، في تقديري، لا تتمثل في بيانات الإدانة أو التوضيح الأمريكي لفحوى ذلك الخطاب، وانما في أن مسؤولًا بهذا المستوى استطاع أن يطرح تصورًا يمس سيادة دول وشعوب كاملة، بلغة تبدو فيها جغرافيا المنطقة موضوعًا قابلًا للتصور وإعادة الرسم من خارج إرادة أهلها.
وهنا تحديدًا يبرز التناقض في السياسة الأمريكية تجاه المنطقة؛ فبالرغم من ارتباط الولايات المتحدة بشبكة واسعة من المصالح والعلاقات والتحالفات مع دولها، وتأكيدها المتكرر حرصها على مبادئ السيادة والاستقرار الإقليمي، فإنها تستمر، في الوقت نفسه، في منح إسرائيل أشكالًا واسعة من الدعم العسكري والسياسي، حتى حين تسهم سياساتها وممارساتها في تقويض تلك المبادئ، وتتعامل معها باعتبارها شريكًا استراتيجيًا مركزيًا في المنطقة.
وقد جعلت سياسات إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب هذا التناقض أكثر ظهورًا؛ فالفجوة بين خطاب احترام سيادة الدول وحق شعوبها في تقرير مصيرها، وبين ممارسة القوة وفرض الوقائع، أصبحت أكثر حضورًا في النقاش حول السياسة الأمريكية. ومع تصاعد استخدام القوة العسكرية في المنطقة، فان السؤال الأكثر إلحاحًا اليوم، هو أين تنتهي حماية المصالح، وأين يبدأ توظيف القوة في إعادة تشكيل الإقليم وفق رؤية القوى الكبرى ومصالحها؟
إنَّ خطورة مثل هذه التصريحات، بما تحمله من استفزاز لشعوب المنطقة، تكمن في ذلك التصور الذي يمكن مشاهدته بوضوح خلفها، وهو أن ما يسمى بمنطقة الشرق الأوسط فضاء قابل لإعادة ترتيب موازين القوى فيه من الخارج، وأن إرادة شعوبه وسيادة دوله يمكن أن تصبحا عامليْن ثانوييْن حين تتعارضان مع إرادة القوة.
هذا هو جوهر العقل الاستعماري، مهما تغيَّرت لغته وصورته وأدواته وأسماء مشاريعه؛ أن يمنح نفسه حقًا لا يمنحه للآخرين، وأن يرى في تفوقه مبررًا لإعادة تشكيل العالم من حوله، ويقدم الهيمنة بعد كل ذلك باعتبارها استقرارًا، والإخضاع باعتباره أمنًا، وفرض الأمر الواقع باعتباره واقعية سياسية.
ومواجهة هذا المنطق، في رأيي، لا ينبغي أن تكون بالرفض وحده، ولا بخطاب غاضب، وإنما في إعادة تثبيت المعنى الذي تحاول الهيمنة نزعه من المنطقة، وهو أن دولها ليست ساحات نفوذ، وأن شعوبها ليست مادة لإعادة التشكيل، وأن أمنها لا يمكن أن يقوم على تفوق دولة وإخضاع بقية الدول لإرادتها.
الهيمنة، مهما بلغ فائض القوة الذي تستند إليه، لا تصنع مستقبلًا مستقرًا. قد تفرض واقعًا لبعض الوقت، وقد تؤخر انفجار التناقضات، لكنها لا تلغيها. وكل نظام إقليمي يقوم على إخضاع طرف لمصلحة طرف آخر يحمل في داخله أجنة مقاومته واستمرار اضطرابه ومن ثم سقوطه وزواله.
وإذا كان تاريخ المنطقة قد علّمها شيئًا، فهو أن المشكلة ليست في غياب من يريد رسم مستقبلها من الخارج؛ بقدر ما هي في قدرتها هي على أن تمتلك من القوة والإرادة والاستقلال ما يجعل مستقبلها شأنًا تقرره شعوبها ودولها، لا مشروعًا يرسمه الآخرون لها.
