الأحد, 18 نوفمبر 2018

خبر : فرسان السلام والدبلوماسية العمانية

الخميس 03 سبتمبر 2015 11:48 م بتوقيت مسقط

يحق لنا ولكل عماني أن نرفع راية النصر والفخر بعد توقيع #الاتفاق_النووي_الإيراني، فقد انتصرنا وبكل اقتدار، نعم نحن العمانيون انتصرنا بحكمة قائدنا وصدق نوايانا، ومن الصحيح أنّ يكون المنتصر الأول بتوقيع هذه الاتفاقية وبلا شك الجمهورية الإسلامية الإيرانية ودول 5+1، والأكيد أنّ هناك الكثير من الإنجازات التي تحققت على مستوى هذا الاتفاق؛ فقد ملك الإيرانيون مشروعهم النووي السلمي وباعتراف العالم، وأسقطوا كل العقوبات الدولية التي فرضت عليهم، وحصلت دول 5+1 على ضمانات حقيقية بعدم امتلاك إيران للسلاح النووي؛ ولكن كيف ربحت السلطنة من كل ذلك وكيف انتصرنا كعمانيين؟!

لقد سمعنا بالكثير من الإيديولوجيات التي مرت علينا خلال هذه القرون، فقد سمعنا بالرأسمالية، والاشتراكية، والشيوعية، والفاشية، والنازية وأخيرًا ما يسمى "التطرف الإسلامي" وغيرها الكثير من الأفكار التي قام المؤمنون بها بنشرها، ودخلوافي حروب عالمية كثيرة خلال قرون، وزهقت على إثرها الملايين من أرواح البشر فقط من أجل نشرها في هذا العالم، إلا أن لغة الدم والحروب كانت لغة الحوار السائدة في هذا العالم، ويكفي أننا عاشرنا الكثير من الحروب خلال فترة حياتنا القصيرة حتى الآن.

ولكن يبدو أنّه وبعد حرب العراق تحديدًا، وبعد انكشاف الذرائع المزورة التي قامت عليها هذه الحرب، أيقن العالم والغرب تحديدًا أنّ ما يقارب المليون عراقي الذينقتلوا نتيجة هذه الحرب الظالمة كان بسبب جبروتهم، ونظرتهم اللامتكافئة من دول العالم الثالث، وبذلك أرسلوا دباباتهم وطائراتهم لتطبيق نظرياتهم المزعومة في أرض الرافدين وغيرها من الدول في العالم، إلا إنهم أيقنوا متأخرين أنّ لغة السلاح والحروب لا تأتي أكلها دائمًا؛ فالخسائر الغربية في العراق كانت باهظة جدًا؛ ولذلك فقد ساهمت التجربة العراقيةالمريرة في بلورة النهج القادم لهذه الدول المتغطرسة، والبحث عن سياسية جديدة تلبي تطلعاتهم، وتخدم مصالحهم.

وفي ظل هذه المتغيرات الدولية المتسارعة، وتراكم الخبرات لدى جلالة السلطان قابوس، وبعد قراءة التاريخ بتمعّن وحكمة، وهو حفيد السلاطين الذي حكمو االمحيط بحكمتهم وحسن إدارتهم؛ استطاع جلالته أن يقرأ الواقع بصورة دقيقة جدًا، وقراءة البراغماتية الغربيّة بصورة أكثر واقعيّة، واستطاع أن يفهم متطلبات المرحلة القادمة بحكمة وتروٍ، وبعد الأزمة المالية العالمية التي عصفت بالعالمتحديدًا، وانهيار المصارف الغربيّة، التي أثرت كثيرًا على الأداء السياسي لدول العالم الغربي، وأظهرت حجم الخسائر الغربية بسبب حروبها، بدأ جلالته يمهد لمشروع السلطنة القادم في المحافل الدولية وحتى مع سياسية الحياد التي اتبعتها السلطنة، إلا أنّ مفهومًا آخر كان قيد التشكّل، سياسة لبلورة مستقبل الأمة والعالم من جديد.

إنّها سياسية السلم والحوار،وتحقيق متطلبات الشعوب بالحوار وتبادل المصالح المشتركة، فقد أيقن العالم الغربي ومعه العالم أنّ سياسية العصا التي اتبعها منذ نهاية عقد الاستعمار حتى اليوم، ستجلب له نتائج سلبيّة، وأنّ سياسة السلطنة التي أسس دعائمها جلالة السلطان هي سياسة الحوار وتبادل المصالح المشتركة من خلال الجلوس على طاولة الحوار، فإذا كانت النوايا صادقة بين جميع الأطراف، فمن الأكيد أنّها ستنعكس إيجابًا على طاولة المفاوضات، وهذا بالفعل ما حدث؛ فقد استطاعت السلطنة أن تهيئ الأطراف المتصارعة في هذا الاتفاق، ووضعت حسن علاقتها بكل دول العالم رهينة نجاح هذه السياسية؛ وبذلك أسست السلطنة إيدلويوجيّتها الخاصة في التفكير السياسي، والتعامل مع كل قضايا العالم الشائكة؛ فالسيد بان كي مون الأمين العام للأمم المتحدة، وصف نجاح المحادثات بالإنجاز العظيم الذي أدهش كل دول العالم.

وبذلك أصبحت السلطنة اليوم تملك إيديولوجيّة جديدة ابتكرتها لنفسها، وذلك بفضل حكمة قائدها وبراعته السياسيّة، وانتصرت في توظيفها من أجل توقيع هذا الاتفاق، واثبتت للعالم وللمنطقة أنّ هذه الأيديولوجية هي الخيار الأنجح في العالم في نهضة الدول وتقدمها، ولا مدفع يعلو على سياسية السلم والحوار، إنّها سياسية الحوار والسلام الحقيقتين، سياسية المصالح المشتركة الواقعيّة، المبنيّة على أساس علمي، تراعى فيه وتحترم مقدرات الشعوب كلها؛ فلا عصا ولا جزرة بعد اليوم، كل ذلك كان بفضل من الله، ونخبة من العمانيين الأوفياء، الذين عاهدوا الله على أن يحفظوا هذا الوطن من شر الحروب وويلاتها، وأن يكونوا عونًا لجلالته في تحقيق هذا الإنجاز الكبير، وقد أسميناهم فرسان الدبلوماسية العربية إن لم تكن العالمية.

واليوم أصبحنا نرى جميع قضايا المنطقه مطروحة وبقوة على طاولة المفاوضات العمانيّة، فالاتزان العماني والرغبة الصادقة في دفع جميع القضايا إلى الحلول الوسطية المرضية لجميع الأطراف المتخاصمه، كلها عوامل تجعل من السلطنة حليفا مهما جدا لكل دول المنطقة، فقط أصبحت مثل الطبيب المداوي لكل القضايا السياسية الشائكة.

ولا نستغرب أن تحج إلينا قريبًا ملفات أغلب قضايا العالم الشائكة، حتى تتم بلورتها مثلما حلت عقدة النووي الإيراني،فالمستحيل أصبح ممكنًا في ظل هذه الأيديولوجية الجديدة المبنية على تبادل المصالح، واحترام حقوق الشعوب، إنها الإيديولوجيّة القابوسية، إيديولوجية السلم والحوار، والإيمان بأن صوت الحوار هو من يلبي رغبات الشعوب وتطلعاتها، شكرًا فرسان السلام على ما قدمتوه لنا، وما تقدمونه للسلطنة وللعالم أجمع.

مصطفى الشاعر البلوشي