الأربعاء, 21 نوفمبر 2018

خبر : أجيال على المحك

السبت 29 أغسطس 2015 11:28 م بتوقيت مسقط

زينب الغريبيَّة

المواطنة كلمة بات تداولها شيئًا مألوفًا في كثير من المؤتمرات والورش والندوات التي تُعقد هنا وهناك، بتنطيم من وزارات وهيئات مختلفة، دون معرفة بماهية المواطنة ومفهومها العلمي النظري الصحيح، وكيف يمكن الانتقال بها إلى الموطنة المسؤولة كتطبيق، لترتقي بحياة المجتمعات، ولابد من جعلها الغاية الرئيسية لمؤسسات التنشئة الإنسانية وفي مقدمتها الروضة والمدرسة والكليات والجامعات؛ فلا شيء يضمن للوطن حقه إلا إذا تمكَّنت هذه القيمة في عقول المواطنين قبل قلوبهم، وما يُميِّز المجتمعات المعاصرة اليوم هو درجة المواطنة المسؤولة التي يحملها المواطنون، وفق درجتها تزيد احتمالات الاستقرار، والإخلاص والعمل والتفاني أو تقل؛ وبالتالي المهمة الأولى لمؤسسات التعليم هي زرع الوطن في القلب، ومن ثمَّ تعليم العقل كيف يترجم هذه المشاعر الصادقة إلى عمل يرقى بالوطن ويهتم بمقوماته، إلا أن كثيرًا من المجتمعات تعاني من أزمة "تعليم المواطنة"؛ مما نتج عنه خلل كبير داخل المؤسسة التعليمية نفسها، قبل أن ينتشر أثره إلى المجتمع الخارجي، وثمة فهم قاصر للمواطنة باعتبارها مادة دراسية تتضمن في كثير من الأحيان دروسا سطحية غير مترابطة عما يجب أن يعرف المواطن في المجتمع الحديث القائم على المؤسسات والقوانين والمشاركة الفعلية، ومن ثمَّ فلا غرابة أن نظل غير قادرين على بلوغ الغاية حتى الآن، حيث لم تحظَ المواطنة كتفعيل لمفاهيم علمية وبكوادر معنية وقادرة إلا باهتمام ضعيف جدا من قبل المؤسسات المعنية؛ لذا لم توجد إلا اجتهادات فردية من باحثين مستقلين سعوا إلى بناء وعي بهذه القيمة المهمة، وبسبل وآليات تعزيزها تربويًّا.

يحتاج بث روح المواطنة وتفعيلها درس واقعي تطبيقي، يتعرَّض إليه جميع الطلاب في أنحاء عمان على مختلف انتماءاتهم القبلية والبيئية، لتذويبهم في بوتقة واحدة تضمن تعزيز انتمائهم الوطني، وتقديرهم لرمز هذا البلد؛ لأنَّ هذا الانتماء لا يمكن أن ينشأ صدفة دون درس شائق، يثير الدافعية الوطنية، ويقدم فرصا تطبيقية، وممارسات عملية، ويجعل المؤسسات التعليمية متفاعلة مع المجتمع ومنفتحة عليه؛ مما يُساعد على ترسيخ قيمة هذه الممارسات، ويوفر فرص لانتقال سلوكيات نتيجة هذه التفاعلات بين الأجيال المختلفة، ويجدد الفخر الوطني في نفوس الطلاب، ويشعرهم بالمسؤولية الكبيرة، وهذا ما عايشناه منذ عودة مولانا السلطان المعظم؛ حيث بدأ تطبيق درس مختلف للوطنية والولاء، وهما عنصران مهمان من عناصر المواطنة، لا يمكن أن تُمحى آثارهما من ذاكرة الطلاب؛ لأنهما بُنيا على تطبيق عملي بدلاً من أن يركز على جانب نظري فقط؛ فالوطنية في أبسط معانيها هي أن تحول المشاعر الإيجابية إلى نقش لا يُمحى من أرض الوطن، أو هي بصمة تفتح باب الرخاء الوطني، فكم بابًا للرخاء يمكن أن نفتحه لو نُفذت دروس للمواطنة بالطريقة التي نفذت خلال تلك الفترة؟!

حيث شهد جيل الحاضر عودة درس الوطنية المختبئ؛ فالدرس العميق الذي عايشه كثير من الأجداد والآباء بصورة واقعية، من خلال المعلم الأول مولانا صاحب الجلالة الذي كان موجودا في كل مكان يتابع بناء الدولة بصبر وإخلاص حتى وصلت إلى ما وصلت إليه بعد هذه العقود الأربعة، فقد عايشوا التحول والبناء مرحلة مرحلة، ربما لم يُتح للطلاب الحاليين هذا التحول؛ فقد أتوا على دولة قد بنيت ركائزها، والتي تمثل فرصا حقيقية لمشاهدة العمل من أجل الوطن، فما يحصلون عليه الآن مجرد معلومات تاريخية وجغرافية عن وطنهم، وقد أكد المشتغلون بتربية المواطنة عن الفارق الكبير بين التعلم عن المواطنة، وبين التعلم من أجل المواطنة؛ فالاتجاه الأول تلقيني بينما يركز الاتجاه الثاني على الجانب العملي السلوكي الذي يرسخ الانتماء داخل الطالب من خلال القيام بأنشطة فعلية داخل المدرسة وخارجها تعزز من شعوره بعظمة وطنه، وتحفزه لمضاعفة العمل من أجله؛ وبالتالي يؤدي التعلم من أجل المواطنة إلى حل كثير من الإشكاليات التي تعاني منها المدارس؛ ومنها المشكلة الأزلية: ضعف تحية الطلاب لعلم بلادهم في بداية كل صباح، والذي يتضمَّن تذكير الطلاب بقيمة جوهرية للوطنية وهي الولاء للقائد، والولاء للوطن، هذا الولاء لا ينشأ صدفة إنما يحتاج إلى دروس نوعية فيها احترافية كبيرة من أجل تعزيزه لدى الطلاب؛ لأنَّ نجاح المؤسسات التعليمية في تعزيز قيمة الولاء في نفوس هؤلاء المواطنين يكفل للوطن سلامته واستقراره، واضطراد تنميته في ظل التحولات الكبيرة التي تشهدها المنطقة والعالم، والتي يقف فيها "المواطن الصالح" صِمَامَ أمان لكلِّ الوطن، وعاملَ قوة لأي نهضة، وحاجزًا منيعًا ضد أي محاولة للنيل من وحدة الوطن.

... يتطلَّب تعليم المواطنة بشكل فعَّال آليات ومراحل لابد من الوفاء بها بغض النظر عن التكلفة والوقت والجهد. ومن هذه المتطلبات: جعل المواطنة غاية أساسية لابد من ترجمتها عمليا خلال السنة الدراسية، كما أنها تتطلب انفتاحَ المؤسسات التعليمية على المجتمع، واندفاع المجتمع لمشاركة المدرسة من خلال تنفيذ عمل وطني مشترك بين المؤسسات التعليمية والمجتمع بمختلف مؤسساته، كما أنَّ الأمرَ يتطلَّب تواجدَ المسؤولين في المؤسسات التعليمية يتحدثون للطلاب عن الدور المتوقع منهم في بناء الوطن، ويعزِّزون الثقة في داخلهم، ويحدِّثونهم بكل صراحة عن القيم التي بُنيت عليها النهضة، وما هي واجباتهم للحفاظ عليها.

فبناء جيل اليوم يجب أن يكون بناء رصينا وفق آليات مدروسة وصحيحة، تضمن لنا الدخول للمستقبل بثقة وقوة، مُتحدِّين بهم كل ما يكمن أن يستجد فجأة لهدم المجتمعات الضعيفة والنخر فيها من خلال شبابها وأطفالها، وهم بذرة لزرع نجنيه وفق ما غرسناه واعتنينا به.

[email protected]