الثلاثاء, 25 سبتمبر 2018

خبر : في مديح الصمت

الإثنين 27 أبريل 2015 02:44 ص بتوقيت مسقط

مريم العدوي

"خير الفضائل الصمت؛ لأنك بواسطته تستمع للآخرين فتعرف عيوبهم وتخفي عيوبك"..

جورج بيرنارد شو

الكلام فطرة بني البشر، حيثُ تَعرف الإنسان على قدرته على الكلام في العصور القديمة، حين كان يحاول أن يُوصل للآخر ما يدور في ذهنه من أفكار. ولقد شكل الكلام نطقاً وكتابةً حجر الأساس لكل العلوم التي نعرفها اليوم، والتي قادت البشرية لحضارات متتابعة أوصلت الإنسان إلى ما وصل إليه اليوم من رُقي وازدهار بل وترف في بعض مناحي الحياة.

ولأن الكلام مُباح، وحق مشروع وفرصة مجانية لكل من امتلك لساناً ناطقاً وفكرة ما، كثُر الكلام، وصار الجميع في هرج ومرج من أمرهم، وتعالى الصخب واللغط، وفي ظل وسائل التواصل الاجتماعي اليوم طال اللغط ذاك تغريدات تويتر ومحادثات الفيسبوك وغيرها بكل تأكيد. وبات من الضروري إيجاد ثقافة جديدة للكلام!

من آداب الحديث عند العرب السلام والتحية والسؤال عن الحال، وكذلك سكوت الصغير في حضرة الكبير، والجاهل أمام لسان العاقل والعارف. ولكن اليوم أصبحت كل هذه الأدبيات وغيرها مغيّبة، باسم حرية التعبير عن الرأي!

إن إعداد الإنسان يبدأ من البيت ويعرج على المدرسة وبتكاتف كل المجتمع وإلى أن يصل إلى المراحل العليا من دراسته الجامعية أو ما يعادلها ومن ثم لوظيفة يخدم فيها الوطن ويمارس فيها تخصصه. وفي محطات تلك الرحلة يغُرس في نفسه ما يهذبها وما يصقلها من مهارات الإنسانية وثقافة الحياة.

وإن كان الطفل دون السنة غير قادر على الكلام لكي نبدأ بتعليمه فضائل الصمت، من جانب آخر فإنه قادر على استنباط كل المهارات من خلال التقليد ومشاهدة الحدث، فالوالدان اللذان يحترمان بعضهما ويمنحان لكل طرف وقته في الحديث بعيداً عن المقاطعة ورفع الصوت أو استخدام الألفاظ السيئة يشاركان في غرس كل تلك القيمة النبيلة في روح الطفل.

يقول جبران خليل جبران "تعلمت الصمت من الثرثار". إنّ الثرثرة التي لا طائل منها فيما يخص المرء وما لا يخصه، تجعل من الإنسان في شغل دؤوب عن عمله وما هو مطلوب منه، وبالتالي تحد من إنجازاته ونجاحاته، فضلاً عن الصورة القبيحة التي سترتسم لدى الآخر عنه. بينما الصمت يمنح صاحبه الحكمة وذلك؛ لأنّه سيمتلك مزيداً من الوقت لينشغل بذاته ويفكر فيما يخصه فيبدع وينجز ومن زاوية أخرى يرسم صوره عنه جديرة بالاحترام لدى الآخر.

إنّ أسوأ ما قد تقابله في حياتك أشخاصاً ثرثارين ومتنطعين يتحدثون بما لا يفقهون، وغالباً ما يقعون في شر أحاديثهم، فإمّا أن ينالهم نصيب من التكذيب وبالتالي النفور من الآخرين أو كراهية الآخر؛ حيثُ يؤمن بأن (من قال لك قال عنك).

يقول الإمام الشافعي:

إذا نطق السفيه فلا تجبه

فخير من إجابته السكوتُ

فإن كلمته فرجت عنه

وإن خليته كمداً يموتُ

هكذا يكون الحل بسيطاً ومريحاً لكل أولئك الذين يشكون من السفهاء الذين يتساقطون علينا من كل زاوية مشككين ومنتقدين وساخرين أو متدخلين في شؤون حياتنا وما لا يعنيهم، صمت قليل كفيل بإزاحة كل عجاج السفهاء من طريقنا لنواصل المسير. والصمت كذلك أداة رائعة لنمنح أنفسنا كما ذكر بيرنارد شو من قبل فرصة لنتعلم من الآخر، والآخر أياً كان ومهما كان كلامه فهو مصدر للتعلم متى ما رغبنا في ذلك، فنتعلم من الأحمق كنه الحماقة فنتجنبها، ومن العاقل جوانب معرفته فنتبعُها. كما إنّ الصمت يشكل سوراً منيعاً فيبعدك عن سهام الناس، فينشغلون بأنفسهم طالما أنت منشغل عنهم، يقول الإمام علي بن موسى في ذلك: " يأتي على الناس زمان تكون العافية فيه عشرة أجزاء: تسعة منها في اعتزال الناس، وواحد في الصمت" . والصمت في أوقات كثيرة يكون أبلغ من الكلام وأحدّ من السيف؛ لأنه يخيم على النفس بثقله ويسكن الروح في الأعمق من الأغوار، ويمنح المرء مدى واسعًا من التفكير في زوايا الحدث؛ فتجده يعودُ وكأنّ عاصفة من الجدال والمشادات قد جرت، ولكن الفارق أن تكون كل تلك المشادات قد انقضت وأنت في هدوء ودعة، وقد أمطرت عليك تفهما من الآخر بل وجاءك وهو يمد يديه مصافحاً معتذراً.

أيّها الصمت:

كلما جاءت كلماتنا معربدة تجر عربة الخصام والغضب، ترفق، اسجنها برفق، حاذر أن تتمرد عليك، قل لها بحزم، آوي إليّ، لأزرعُكِ زهراً أو سنبلاً، فكلمات الغضب ليست سوى نار تحرق، بينما الزهر والسنبل حياة ومنظر.