![]()
رحاب اليحمدي
تعد مشكلة الاغتراب ظاهرة بارزة ومتميّزة في العصر الحديث، ذلك لأنّه عصر يعكس أزمات سياسيّة واجتماعيّة وفكريّة وأخلاقيّة، ومن جهة أخرى شهد هذا العصر شعور الإنسان بقدراته وإنجازاته الهائلة التي سببت له القلق على مصيره والخوف من سرعة التغيير على مختلف الأصعدة والمستويات.
الاغتراب ذلك الوحش.. هل صار واقعًا يحيط بنا ويأخذ بخناقنا خناق إنسان العصر الحديث؟ يقينا حدث ذلك وبصورة لم تعرفها البشرية من قبل فلم نصبح أبناء قرية عالميّة صغيرة ما يقربنا أكبر بكثير مما يباعد بيننا، بل صرنا جزرًا صغيرة تائهة متقطعة وانصرف كل إنسان إلى داخل نفسه يحيطها كما لو كان يخشى أن تنفرط هي الأخرى منه، صرنا كغثاء السيل لا قيمة له ولا نفع، لأنّ كل إنسان مشغول بنفسه، وبصورة هيستيريّة مغتربًا داخلها، وأصبحنا أبناء العالم الإسلامي جزءًا أصيلا من هذا الاغتراب، وما سيادة قيم الأنانية إلا تجسيد بسيط لما نعانيه، فنحن ننظر إلى مآسينا ودمائنا النازفة وكأنّ أحدهم قد حقننا بمخدر طويل المدى لا يقلل من شأنه التنهدات ومصمصة الشفاه حسرة أو ألمًا، وإن كان ما نعانيه ليس ألمًا حقيقيًا بل هو مجرد ألم زائف لا يحرك خطوة واحدة نحو النصر وما ذلك كله إلا لأننا متقوقعون داخل أنفسنا نعاني هذا الاغتراب اللعين الذي أخد بخناقنا يأمل كل منّا أن ينجو وحده حتى لو هلك الآخرون مشغولون في لقمة العيش مشغولون بالنجاح الشخصي، ولكن هذا كله لا يقلل من مرارة الاغتراب وقسوته على ضمائرنا المُنهكة المعذبة.
الاغتراب داخلنا لم يقف عند حد تخاذلنا كأمّة نائمة أو مخدرة بل واصل اختراقه حتى وصل إلى قلب الأسرة، تلك النواة الصغيرة التي يعتمد عليها أي مجتمع صارت متقولبة هي الأخرى في قالب الاغتراب، فالأسرة الكبيرة (العائلة) صارت مهلهلة إن لم تكن بالفعل قد اندثرت، وصلة الأرحام صارت موسميّة، والاهتمام الحي بمشكلات العائلة قد ضعف إلى أقصى حد ممكن، القسوة، الأنانية، التجاهل البخل، مفردات واضحة لعلاقتنا العائليّة، والقلة الماسكة على الجمر التي تصر على الاحتفاظ بالعلاقات العائليّة دافئة حميمة صارت محاصرة بالتجاهل والإهمال وعدم التفاعل، وإحساسها أنّها كمن يحرث الماء، حتى داخل الأسرة الصغيرة كثيرًا ما تبنى الجدر العازلة، والسدود المنيعة في مواجهة التواصل، وها هي ذي معدلات الطلاق المرعبة تؤكد ذلك، وها هم الأبناء يبنون عالمهم وحدهم من الخيال وأصدقاء السوء وقنوات الدش المفتوحة ومواقع النت التي لا تعرف الاستخدام السليم، ففقد الأبناء الارتباط داخل الأسرة، ونشأوا في جو يغلفه الاغتراب، فصنعوا عالمًا آخر لأنفسهم، فالأصدقاء عن بُعد كما يحدث في غرف الدردشة والأحاديث تافهة وسخيفة والأغاني التي يسمعونها متناغمة تماما مع حالة الاغتراب الداخلي التي يعيشونها، أما الأبناء الذين هداهم الله واختاروا أن يكون لهم قيم عليا ومبادئ رفيعة وأن يتفقهوا في دينهم فمنهم أيضًا من يهجر أسرته ويتباعد عنها نفسيًا لأنّها أسرة غير ملتزمة، غير مهتمة، رافضة له، كثيرة النقد، يشعر في أجوائها بالصقيع يسيّطر على نفسه فيكون لنفسه عالمًا آخر ربما يكون أفضل ولكنّه في النهاية بعيدًا عن أسرته ورحمه.
كان من الممكن أن يخلق الله عز وجل آدم وحده، وكان في قدرة الخالق العظيم أن تستمر الحياة على ظهر الأرض يحمل لواءها جنس واحد فقط، لكن شاءت حكمة المولى عز وجل أن يخلق له من نفسه زوجه تلك التي تستطيع لملمة شتات نفسه المبعثرة، وتحميه من الاغتراب في ذلك العالم، إنّها تُمثل التوازن في حياته فلولاها ما استطاع الحياة لا من أجل حاجة بيولوجية فحسب ولكن من أجل هذه السكينة التي تحميه من الاغتراب.
