الدروس الخصوصية.. من دعم إلى أزمة

 

 

صالح الغافري

مع بداية كل عام دراسي جديد تتجدد ظاهرة الدروس الخصوصية، فتطل كعبء ثقيل يرهق الأسر ويضعف أثر المدرسة ورسالتها، وتتحول إلى هاجس يقلق الطالب وولي الأمر معا. فما كان في الماضي محدودًا وفي نطاق ضيق أصبح اليوم ممتدًا ليشمل معظم المواد، حتى فقد بعض الطلاب ثقتهم بالمدرسة وأصبح الاعتماد الأكبر على الخصوصي.

في بدايات ظهور الدروس الخصوصية كانت هناك أسباب موضوعية ساعدت على انتشارها، مثل تأخر وصول الكتب الدراسية، وعدم تعيين معلمين لبعض المواد، وكثرة الندب والغيابات التي أضعفت عطـاء المعلم داخل الصف، إضافة إلى الكثافة الصفية التي حرمت الطالب من المتابعة الفردية. هذه الظروف خلقت أرضية لجوء بعض الأسر إلى الدروس الخصوصية كحل مؤقت. لكن اليوم، ومع جهود الوزارة في معالجة أغلب هذه التحديات، ما زالت الظاهرة مستمرة، ليس بسبب نقص الإمكانات كما كان في الماضي، وإنما بسبب ثقافة الاعتماد على الخصوصي، وضغط أولياء الأمور بدافع القلق على مستقبل أبنائهم، ورغبة الطلاب في ضمان نسب أعلى للقبول الجامعي. وهنا تكمن خطورة استمرار الظاهرة رغم تحسن الظروف. وقد تحولت بين الطلاب أنفسهم إلى مباهاة، كل طالب يتفاخر بعدد المواد التي تستطيع أسرته أن توفر له دروسًا فيها، وكأن التفوق أصبح مرتبطًا بالقدرة المالية لا بالجد والاجتهاد. 

ومع ذلك لا يمكن إنكار أن هناك الكثير من المعلمين الذين يستحقون التحية فقد أعدوا بجهود ذاتية تطبيقات ومنصات تعليمية مجانية وساهموا في دعم الطالب. كما أن الوزارة بالتنسيق مع الإعلام والقنوات التلفزيونية تعمل على تقديم مراجعات ودروس إثرائية. لكن رغم هذه الجهود يلجأ أغلب أولياء الأمور والطلاب إلى هذه الظاهرة غير القانونية. 

ولنكن صريحين هناك من حول هذه الحاجة إلى تجارة؛ فأصبح يجمع عشرات الطلاب في مجموعات متعددة ليحقق دخلا يفوق راتبه الرسمي، وكأنَّ التعليم الذي يفترض أن يكون رسالة وطنية تحول إلى سوق للثراء السريع. ولم يقتصر الأمر على الدروس الخصوصية وإنما امتد إلى بيع المذكرات والملخصات وأسئلة الاختبارات السابقة. وإذا استمرت هذه الظاهرة فإننا سنواجه غدًا ما هو أخطر، فمن يدري، ربما تظهر دورات خاصة لمن يسعى إلى التوظيف، وتباع أسئلة وهمية حول كيفية اجتياز المقابلات، وتقام برامج مدفوعة تعد بالقبول الوظيفي وكأن المستقبل نفسه أصبح سلعة معروضة للبيع. وهنا تتحول الأسرة من عبء الدروس الخصوصية إلى عبء جديد لا يقل خطورة، وهو عبء الدخول إلى سوق العمل عبر بوابة تجارية لا تربوية. 

ومواجهة هذه الظاهرة لا تكون بالمنع وحده؛ فقد بذلت الوزارة والحكومة جهودًا لمعالجة كثير من أسبابها، لكن استمرارها يستدعي تكامل الأدوار. المطلوب أن تُركِّز المناهج على الأساسيات، وأن تُخفِّف الكثافة الصفية، وأن يُتاح للمعلم وقت أعمق ليُبدع داخل الصف. وعلى الطالب أن يستعيد ثقته بمدرسته، وعلى ولي الأمر أن يساندها لا أن يستبدلها، وعلى المعلم أن يضع بصمته في الصف قبل أن يضعها في الدرس الخصوصي. بهذا التكامل يمكن أن تُغلق الثغرات التي سمحت بانتشار الظاهرة، ويُعاد للتعليم رسالته الوطنية.

الدروس الخصوصية ليست الحل، وإنما المتابعة من ولي الأمر والتركيز من الطالب وتنظيم الوقت وغرس ثقافة تحمّل المسؤولية في كل فصل دراسي يدرسه وفي كل مرحلة تعليمية يمر بها، ليكون هو شريكًا فاعلًا في نجاحه لا مجرد متلقٍ للدروس. وهذا لا يتحقق إلا من خلال زرع الثقة بين الأسرة والمدرسة، وتعزيز التوعية بمخاطر هذه الظاهرة وبدائلها التربوية، حتى يدرك المجتمع أن التعليم رسالة لا تجارة.

لقد كنا في الماضي لا نعرف هذه الظاهرة إلا في الثانوية العامة المسماة حاليًا الدبلوم العام، وكانت لمادة أو مادتين ولفئة محددة ولأسباب معينة. أما اليوم فقد توسعت الدائرة وانتشرت لتشمل أغلب الفصول والمواد الدراسية. وهنا نشير، وإن اختلفت مسمياتها، فإنها تسميات حديثة تُستخدم لتسويق التعليم الخصوصي بشكل أكثر رسمية وجاذبية، لكنها لا تختلف في الجوهر، ويبقى اسمها الحقيقي هو الدروس الخصوصية.

وإذا لم تتم مراجعة المنظومة فإن المشكلة ستتفاقم وربما يصبح أغلب الطلاب بحاجة إليها كما يحدث مع بعض الأطباء الذين ينصحون مرضاهم بالذهاب إلى عياداتهم تحت أعذار المواعيد البعيدة. نحن أمام أزمة حقيقية ولا بُد من تدخل جاد من أجل الإصلاح، حتى لا تتحول الظواهر إلى عبء أكبر على المجتمع.

الأكثر قراءة

z