الطب الإسلامي والطب الحديث تكامل أم تصادم؟ (3)

بدايات عصر الطب الحديث

 

أ. د. حيدر أحمد اللواتي **

تحدثنا في مقالنا السابق عن أُسس الطب الإسلامي، وذكرنا أن الطب الإسلامي كالطب اليوناني كلاهما قاما على نظرية الأخلاط الأربعة ونظرية الهواء الفاسد وتحدثنا عن بعض الهزات التي تعرض لهما هذين الأساسين ولكنهما ظلا راسخين في مهنة الطب، بيد أن فجر الانقلاب المنهجي الكبير بدأ يتنفس مع مطلع القرن السابع عشر، ففي عام 1628م، أحدث الطبيب الإنجليزي هارفي نقلة تجريبية حديثة حين أثبت بالملاحظة والتجربة أن القلب يعمل كمضخة تدفع الدم في حلقة مغلقة صلبة حول الجسد كله، مفندًا بذلك أطروحات جالينوس القديمة والتي تبناها علماء المسلمين.

وفي القرن نفسه تم إخضاع نظرية العناصر الأربعة للمساءلة داخل المختبرات، وكانت الشرارة الأولى على يد العالم الأيرلندي "روبرت بويل" الذي أثبت بالتجربة أن المواد التي كان الفلاسفة يظنونها بسيطة هي في الحقيقة مركبات معقدة، وأن عناصر أرسطو الأربعة لا تصمد أمام التجارب المخبرية.

تلا ذلك، العصر الذهبي للكيمياء الغازية في القرن الثامن عشر، لتتساقط عناصر أرسطو واحدًا تلو الآخر، فتم تفكيك "الهواء" الذي كان يُظن عنصرًا بسيطًا، ليثبت "جوزيف بريستلي" و"كارل شيل" وجود غاز غريب يدعم الحياة والاشتعال، أطلق عليه الكيميائي الفرنسي الفذ "أنطوان لافوازييه" اسم "الأكسجين" عام 1777م، مبرهنًا أن الهواء خليط من غازات شتى وليس عنصرًا واحدًا، ولم يكد العالم يفيق من صدمة تفكيك الهواء، حتى سدد لافوازييه وصديقه "هنري كافيندیش" ضربة مميتة لعنصر "الماء"؛ حيث أثبتا عبر تجارب التحليل والتركيب أن الماء ليس جوهرًا أوليًا، بل هو مركب ناتج عن اتحاد غازين هما الهيدروجين والأكسجين، وفي عام 1789م، نشر لافوازييه كتابه الذي تضمن أول قائمة للعناصر الكيميائية الحديثة، ومثبتًا أن النار ليست عنصرًا بل هي ظاهرة كيميائية ناتجة عن التفاعل السريع مع الأكسجين (الأكسدة)، وأن التراب ليس إلا مزيجًا من أكاسيد لمعادن وعناصر مختلفة، ووصلت هذه الرحلة إلى ذروتها التنظيمية في القرن التاسع عشر على يد العالم الروسي "ديميتري مندلييف" الذي صاغ "الجدول الدوري" عام 1869م، واضعًا قانونًا رياضيًا تترتب بموجبه العناصر المكتشفة بناءً على أوزانها وخواصها الذرية.

هذا التحول الجذري من "العناصر الأربعة " إلى "العناصر الكيميائية" أحدث هزة ارتدادية داخل أروقة العلوم الطبية، وأدى إلى تهاوي نظرية الأخلاط الأربعة، فبمجرد أن أثبتت الكيمياء أن الماء والهواء والتراب والنار ليست هي المادة الأولية للكون، انهار البناء الطبي الذي بُني على نظرية الأخلاط وفقد مبرر وجوده العلمي.

وانتقل الطب، تحت تأثير الثورة الكيميائية، من مرحلة "التفسير بناء على نظرية الأخلاط الأربعة" للجسد إلى مرحلة "التحليل الجزيئي"، ولم يعد الدم يُنظر إليه كخلط حار رطب ممثل لعنصر الهواء، بل كنسيج حيوي معقد يتكون من خلايا تسبح في بلازما غنية بعناصر كيميائية حقيقية كالحديد، والصوديوم، والبوتاسيوم، والكالسيوم، وحل "المفهوم الخلوي والجزيئي للمرض" بدلًا من اضطراب الأخلاط؛ فأثبت علماء القرن التاسع عشر أن المرض ينشأ من خلل في الوظائف الكيميائية والفيزيائية داخل الخلية نفسها، وليس بسبب غلبة الصفراء أو السوداء، وتحولت الصيدلة من خلط الأعشاب لتعديل الأمزجة الكونية، إلى استخلاص وتصنيع جزيئات دوائية تتفاعل مع مستقبلات خلوية محددة بناءً على روابط كيميائية دقيقة، وبذلك، طويت صفحة الأخلاط والأمزجة.

وما حدث لنظرية الأخلاط الأربعة، حدث لنظرية الهواء الفاسد والأبخرة الفاسدة وذلك في النصف الثاني من القرن السابع عشر؛ وذلك عندما صنع العالم الموسوعي "روبرت هوك" مجهرًا مركبًا بدائيًا عام 1665م، وسلّطه على رقاقةٍ رقيقة من الفلين، فلم يجد مادةً صماء، بل ألفاها مسامات فارغة محاطة بجدران، أطلق عليها لفظ "الخلايا" (Cells)، لقد كان هوك يطرق الباب الأول للعالم المجهري، بيد أن الحجاب لم ينكشف تمامًا إلا على يد تاجر قماش هولندي متواضع، لم ينل حظًا من التعليم الأكاديمي، لكنه حاز من الشغف والصبر ما يفوق الخيال، وهو "أنطوني فان ليفينهوك".

امتلك ليفينهوك مهارةً فذة وفريدة في صقل العدسات الزجاجية الصغيرة وتكثيف قواها، فصنع مجاهر بسيطة تفوقت في دقتها على مجاهر عصره، وفي عام 1674م، وللمرة الأولى في تاريخ الوعي البشري، حدق ليفينهوك في قطرة ماء راكد، ليرى ما لم يره إنسٌ قبله: عالمًا يعج بالحركة، كائنات متناهية الصغر، تسبح، وتدور، وتموج في صخب، وأطلق عليها مبهورًا اسم "الحيوانات الدقيقة " (Animalcules)، ورسم أشكالها العصوية والكروية والمتموجة؛ ليكون بذلك أول من أبصر "البكتيريا"، وقد أرسل ليفينهوك رسائله الوصفية الدقيقة إلى الجمعية الملكية في لندن، ليعلن رسميًا ولادة "علم الأحياء الدقيقة"، ومع ذلك، فإن المفارقة التاريخية العجيبة تمثلت في أن البشرية وقفت تنظر إلى هذه الكائنات لقرنين كاملين كـ"أعجوبة من أعاجيب الطبيعة"، وتسلية مجهرية تثير الدهشة، دون أن يدور في خلد أحد أن هذه المخلوقات الضعيفة اللامرئية هي ذاتها الجيوش الجرارة التي تقوض الممالك بالأوبئة والأسقام.

وللحديث بقية..

** سلسلة من المقالات تعرّف بالطب الإسلامي وتقارن أسسه مع أسس الطب الحديث

** كلية العلوم، جامعة السلطان قابوس

الأكثر قراءة

z