د. هيثم مزاحم **
أعلن الرئيس الإسرائيلي يتسحاق هرتسوغ، مساء السبت 7 نوفمبر، أنه سيكلف رئيس حزب «يَشار»، غادي أيزنكوت، مهمة تأليف الحكومة. ودُعيَ أيزنكوت إلى مقر إقامة الرئيس مساء يوم الأحد، لتسلّم التكليف، بعد أن أوصى به 67 عضوًا في الكنيست، مقابل 46 عضوًا أوصوا ببنيامين نتنياهو، بينما امتنع 7 أعضاء من التوصية بأيّ مرشح. عدد مقاعد الكنيست 120 وتحتاج الحكومة إلى 61 صوتًا لنيل الثقة أو حجبها.
وتأتي هذه التطورات عقب الانتخابات البرلمانية التي شهدتها إسرائيل في 27 أكتوبر الماضي، والتي لم يتمكن خلالها أي من المعسكرين الرئيسيين من الحصول على الأغلبية المطلوبة لتشكيل الحكومة، والمحددة بـ61 مقعدًا من أصل 120 في الكنيست.
ووفق النتائج النهائية الواردة في المعطيات الانتخابية، حصل حزب الليكود بزعامة نتنياهو على 27 مقعدًا، ونال حزب يشار بقيادة آيزنكوت 21 مقعدًا، في حين توزعت بقية المقاعد على الأحزاب الأخرى.
وتعهد آيزنكوت ببذل كل ما بوسعه لتشكيل الحكومة الجديدة، داعيا إلى تشكيل ما وصفها بـ"حكومة طوارئ وطنية"، وذلك عقب إعلان الرئيس الإسرائيلي عزمه تكليفه رسميا بالمهمة.
وقال آيزنكوت في تدوينة على منصة إكس مساء السبت "حان الوقت لتشكيل حكومة طوارئ وطنية. سأبذل كل ما بوسعي لنكون على قدر المسؤولية".
وقد أثار تكليف آيزنكوت بتشكيل الحكومة الجديدة موجة من ردود الفعل المتباينة داخل إسرائيل بين مطالب بإجراء انتخابات مبكرة وبين دعوات إلى الإسراع في تشكيل حكومة جديدة تنهي حكم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو.
وقالت القناة 12 الإسرائيلية إن جهات مقربة من الرئيس الأمريكي دونالد ترمب نقلت رسالة إلى مقربين من غادي آيزنكوت، تدعوه فيها إلى الإسراع في تشكيل الحكومة الجديدة وتغيير نتنياهو. ونقلت القناة عن مصادر مطلعة لم تسمّها أن الرسالة نُقلت إلى مقربين من آيزنكوت قبيل تسلمه رسميًا التكليف بتشكيل الحكومة من الرئيس الإسرائيلي.
يبدو أن ترامب الذي أعلن دعمه لنتنياهو قبل الانتخابات الإسرائيلية والانتخابات النصفية الأميركية يريد التخلص منه الآن، بعد خسارة الحزب الجمهوري لمجلسي الكونغرس نتيجة تداعيات الحرب على إيران التي ورطه فيها نتنياهو والتي دفع المواطن الأميركي عواقبها الاقتصادية والمعيشية.
صعوبة تأليف الحكومة
يدخل آيزنكوت الآن مرحلة سياسية شديدة التعقيد؛ إذ لا تقتصر مهمته على جمع التوصيات البرلمانية التي حصل عليها، بل تتطلب منه تحويل هذه التوصيات إلى اتفاقات سياسية وائتلافية واضحة، تضمن حصول حكومته على ثقة الكنيست وقدرتها على الاستمرار.
وإذا نجح آيزنكوت في تشكيل الحكومة فإن ذلك سيعني نهاية مرحلة حكم نتنياهو الحالية، وبدء مرحلة سياسية جديدة تقوم على تحالفات قد تتجاوز الانقسامات التقليدية بين الأحزاب الإسرائيلية.
أما إذا فشل في إنجاز المهمة خلال المهلة القانونية والتمديد المحتمل؛ فقد تدخل إسرائيل مرحلة جديدة من المشاورات السياسية، مع استمرار الحكومة الحالية برئاسة نتنياهو في تصريف الأعمال إلى حين تشكيل حكومة جديدة.
ويُعَد نتنياهو من أطول رؤساء الحكومات بقاء في السلطة بإسرائيل؛ إذ تولى رئاسة الحكومة للمرة الأولى عام 1996 واستمر حتى عام 1999، ثم عاد إلى المنصب عام 2009 وظل فيه حتى عام 2021، قبل أن يعود مجددًا في ديسمبر 2022.
ويواجه نتنياهو محاكمة داخل إسرائيل منذ عام 2020، على خلفية اتهامه بالرشوة والاحتيال وإساءة الأمانة في 3 قضايا فساد، وهي اتهامات ينفيها. كما أصدرت المحكمة الجنائية الدولية في 21 نوفمبر 2024 مذكرة اعتقال بحقه بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في قطاع غزة.
لكن الأغلبية التي رشّحت أيزنكوت لا تزال بعيدة عن القدرة على تنصيب حكومة؛ فالخلافات بين الشركاء المحتملين له عميقة إلى درجة أن هرتسوغ نفسه طلب خلال نهاية الأسبوع معرفة كيف يعتزم تجاوُزها.
فبعد جولة المشاورات التي أجراها الرئيس الإسرائيلي الأسبوع الماضي، أجرى هرتزوغ مشاورات استكمالية، عبر اتصالات هاتفية بعدد من رؤساء الأحزاب. وتركزت الاستيضاحات على سؤال عملي: كيف يعتزم أيزنكوت تأليف ائتلاف حكومي مستقر، في وقتٍ يرفض شريكه رئيس حزب "إسرائيل بيتنا"، أفيغدور ليبرمان، حكومة تعتمد على الأحزاب العربية، ويؤكد حزب «معًا» بقيادة شريكه الآخر نفتالي بينيت التزامه إقامة "ائتلاف الذين يؤدون الخدمة العسكرية"، وإلزام المتدينين الحريديم التجنيد وتحقيق المساواة في تحمّل الأعباء، بينما تطالب الأحزاب الحريدية بقانون ينظّم مكانة طلاب المعاهد الدينية اليهودية، وتعارض تحديد أهداف للتجنيد وفرض عقوبات على الممتنعين منه.
ويرى الخبراء الإسرائيليون أن توصيات النواب منحت أيزنكوت أفضلية واضحة، لكنها لم تحلّ هذا التناقض. فمن بين 67 عضوًا أوصوا به، هناك 19 عضوًا من أعضاء الكنيست الذين يمثلون الأحزاب العربية؛ أمّا معسكر التغيير الصهيوني، فيمتلك 48 مقعدًا فقط، ولكي يتمكن أيزنكوت من تأليف حكومة أغلبية تضم 61 عضوًا في الكنيست، بمشاركة الأحزاب الحريدية، فإنه يحتاج أيضًا إلى المقاعد السبعة لحزب "يهيدوت هتوراه"، والمقاعد الستة لحزب شاس؛ لكن أرييه درعي أوصى بنتنياهو، وتقدّر أوساط حريدية أنه من الصعب تصوُّر انضمام شاس إلى أيزنكوت، حتى في مفاوضات ائتلافية. ومن دون شاس، لن يتجاوز مجموع مقاعد معسكر التغيير وحزب "يهدوت هتوراه" 55 عضوًا في الكنيست.
من جانبه، منح ليبرمان أيزنكوت تفويضًا كاملًا لمحاولة تأليف الحكومة. ولا يعتزم رئيس حزب "إسرائيل بيتنا" المطالبة بالتناوُب على رئاسة الحكومة في مقابل دعمه لأيزنكوت، وتراجع عن معارضته المبدئية للشراكة مع الأحزاب الحريدية، ووافق على البحث في تسويات بشأن قانون التجنيد، استنادًا إلى الصيغة التي اقترحها في سنة 2018.
وتقول مصادر من الأوساط الحريديمية إن هناك اتصالات تجري فعلًا بين أطراف في الأحزاب الحريدية ومقرّبين من ليبرمان، وإن الحريديم لديهم تاريخ طويل من التعاون معه ولديهم مستوى من الثقة به ربما أعلى حتى من مستوى الثقة التي يكنّونها لأيزنكوت.
وأبدت أوساط في حزب يهدوت هتوراه الحريدي استعدادا للتفاوض مع الأطراف السياسية التي توافق على تنظيم أوضاع طلاب المدارس الدينية.
ونقلت وسائل إعلام مقربة من الأحزاب الحريدية عن مسؤول في الحزب قوله إنهم سيجرون مفاوضات مع كل من يوافق على تنظيم أوضاع طلاب المدارس الدينية (الحريديم)، وأن الأسبوع المقبل سيكون مهمًا بالنسبة إلى إمكانية التعاون مع معسكر التغيير، ولتحديد إن كانت أطراف هذا المعسكر مستعدة للتوصل إلى حل بشأن مسألة التجنيد.
وتُعَد قضية تجنيد طلاب المعاهد والمدارس الدينية من أبرز ملفات الخلاف داخل السياسة الإسرائيلية، خصوصا في ظل مطالبة قطاعات واسعة بإنهاء الإعفاءات الواسعة التي يتمتع بها الحريديم، مقابل تمسك الأحزاب الدينية بالحفاظ على الوضع القائم وضمان استمرار دراسة طلاب المعاهد الدينية.
وكان الخلاف بشأن هذه القضية أحد الأسباب التي دفعت حزب يهدوت هتوراه إلى الامتناع عن التوصية بتكليف نتنياهو، وكان ذلك من بين التطورات التي أثرت في حسابات تشكيل الحكومة.
ويرى المراقبون الإسرائيليون أن المسار البديل، المتمثل في تأليف حكومة أقلية بمساعدة امتناع الأحزاب العربية من التصويت ضدها، فيواجه معارضة حاسمة من ليبرمان الذي أوضح أنه لن يوافق على حكومة تؤلَّف بفضل دعم القائمة العربية الموحدة، أو القائمة العربية المشتركة، ولا حتى بفضل امتناع هذه الأحزاب من التصويت. وإذا دفع أيزنكوت نحو هذا السيناريو، فإن الأحزاب الحريدية ستصوّت ضد حكومة أقلية تعتمد على الأحزاب العربية.
فإذا تمسّك ليبرمان بموقفه، فلن يكون امتناع الأحزاب العربية من التصويت كافيًا لضمان تنصيب الحكومة. فقد يواجه أيزنكوت صعوبة في تأليف الحكومة عبر أيٍّ من المسارين الرئيسيَّين المطروحَين أمامه: سواء ضم الأحزاب الحريدية، أم عبر تأليف حكومة أقلية. ولا يتسرع أيزنكوت في التخلّي عن إمكان تأليف حكومة طوارئ وطنية أولًا، تضم معسكر التغيير، ثم توسيعها لاحقًا. ويوم الجمعة، أعلن أربعة مبادئ للمشاركة في حكومته:
1. الاعتراف بإسرائيل دولة يهودية وديمقراطية.
2. قبول قيَم وثيقة الاستقلال.
3. الالتزام تجاه أداء الخدمة العسكرية، أو الوطنية، أو المدنية.
4. الاعتراف بأن "حماس" منظمة "إرهابية"، إلى جانب الالتزام تجاه تفكيك قوتها العسكرية والسلطوية.
ولا شك أن البنود الأولين والأخير تحرج الأحزاب العربية بينما يحرج البند الثالث الأحزاب الدينية. فالاعتراف بيهودية الدولة يشكل نفيًا لحق وجود 20 بالمئة من سكان إسرائيل، هم الفلسطينيون العرب السكان الأصليون لفلسطين. وعندما يعترف العرب بيهودية الدولة كأنهم يتخلون عن حقهم في البقاء فيها كونهم غير يهود وعن حقهم في المساواة في المواطنة والحقوق مع اليهود.
لا يقدم أيزنكوت حتى الآن إجابة عن مسألة قانون التجنيد: فالحريديم يريدون تنظيم الوضع القانوني لطلاب المعاهد الدينية، بينما يطالب بعض الشركاء الصهيونيين بتجنيد أعداد كبيرة منهم وتحقيق المساواة في تحمُّل الأعباء. ولا تقتصر الصعوبة على ليبرمان؛ فنفتالي بينيت لم يلتزم حتى الآن، علنًا، تجاه صيغة تتضمن تسويات مع الحريديم. وحتى لو تم التوصل إلى تفاهمات بين الأحزاب الصهيونية داخل معسكر التغيير، فسيظل من الضروري إقناع الحريديم بقبول تسوية بشأن التجنيد، وإقناع الشركاء العلمانيين بدعمها.
القائمة العربية تدعم آيزنكوت
وعلى صعيد الموقف العربي، نقلت صحيفة هآرتس عن مسؤول في القائمة العربية الموحدة استعداد القائمة لدعم حكومة آيزنكوت حتى من دون التوصل إلى اتفاق ائتلافي رسمي.
ويحمل هذا الموقف أهمية سياسية في ظل الحسابات البرلمانية المعقدة التي تواجه المرشح المكلف، إذ قد يشكل الدعم العربي عاملا حاسما في تأمين الأغلبية اللازمة لمنح الحكومة الجديدة الثقة، أو توفير شبكة أمان برلمانية تسمح لها بالاستمرار، حتى إن لم تشارك الأحزاب العربية مباشرة في الائتلاف الحكومي.
وكانت القائمتان العربيتان، القائمة المشتركة والقائمة العربية الموحدة، قد حصلتا -وفق الأرقام الواردة في نتائج الانتخابات- على 19 مقعدا، وهو ما يمنح مواقفهما وزنا مهما في الحسابات المتعلقة بتشكيل الحكومة الجديدة.
وفي أبرز ردود الفعل الرافضة لتكليف آيزنكوت، اتهم وزير الأمن القومي من اليمين الديني المتطرف إيتمار بن غفير المعسكر الذي أوصى بتكليفه بتشكيل الحكومة بـ"سرقة الانتخابات والكذب على شعب إسرائيل"، مطالبا بإجراء انتخابات جديدة على خلفية ما وصفه بالتزوير. وقال بن غفير إن حكومة الوحدة الوطنية المقترحة ستكون "حكومة شلل"، مضيفا أن إعادة الانتخابات باتت ضرورة بسبب ما وصفه بالتحيز، في موقف يعكس رفضه للمساعي الرامية إلى تشكيل حكومة بديلة عن حكومة نتنياهو.
في المقابل، دعا رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود باراك، آيزنكوت إلى التحرك بأسرع وقت ممكن لاستكمال مهمة تشكيل الحكومة الجديدة، مشيرا إلى أن الأولوية السياسية القصوى تتمثل في تغيير حكومة نتنياهو وإنهاء بقائها في السلطة. وقال باراك إن جميع الخيارات السياسية المطروحة يمكن أن تكون مناسبة لتحقيق هذا الهدف، مضيفا أن مشاركة الأحزاب العربية في الحكومة ستكون أمرا إيجابيا، في موقف يعكس دعما لتوسيع دائرة التفاهمات السياسية داخل المعسكر المناهض لنتنياهو. كما لم يستبعد باراك إمكانية مشاركة حزب الليكود في حكومة وحدة وطنية، إذا أمكن تشكيل صيغة سياسية تسمح للحزب بأن يكون شريكا في الحكومة من دون استمرار نتنياهو على رأسه.
الكرة الآن في ملعب أيزنكوت بعد تسلمه التكليف، وسيكون عليه لاحقًا تحويل 67 توصية إلى تفاهمات بين أحزاب لا تزال مختلفة بشأن نوع الحكومة التي توافق على تأليفها.
** رئيس مركز الدراسات الآسيوية في لبنان وزميل باحث في معهد الحزام والطريق في جامعة تشوهاي في هونغ كونغ
