مصر بطل الخليج

 

 

 

وليد الخفيف

ضيفًا جاء إلى البطولة، وبطلًا غادرها.. وبين الدعوة ومنصة التتويج، قدم منتخب مصر للناشئين تحت 17 عامًا أداءً لافتًا، وفرض حضوره بنتائج عريضة، توّجته بطلًا للبطولة الخليجية.

ولم يكن تتويج ناشئي الفراعنة مجرد فوز بلقب، بل حملت نتائجهم رسائل أبعد من حدود المنافسة، وكشفت عن فجوة فنية واضحة بين المنتخب المصري وعدد من المنتخبات الخليجية، في مشهد يفرض على الاتحاد الخليجي لكرة القدم وقفة جادة لمراجعة واقع مسابقات الفئات السنية ومستوى إعداد منتخباتها مع الاتحادات الوطنية.

لقد كان قرار مشاركة منتخبي مصر والصين في البطولة خطوة إيجابية، أضافت قيمة فنية نوعية للمنافسات، ووفرت للمنتخبات الخليجية فرصة الاحتكاك مع مدارسة كروية افريقية، والخضوع لاختبارات أكثر جدية كشفت جوانب القصور في مستوياتها، وأظهرت أن الطريق لا يزال طويلًا للوصول إلى التنافسية المطلوبة.

وتكفي العودة إلى رحلة المنتخب المصري نحو اللقب لقراءة المشهد؛ فقد أمطر شباك العراق بخماسية نظيفة، وكرر النتيجة ذاتها أمام السعودية، وتجاوز اليمن بخمسة أهداف مقابل هدف، فيما اكتفى بثلاثية في مرمى الكويت، قبل أن يعبر الصين بأربعة أهداف نظيفة في نصف النهائي، ثم يتجاوز الإمارات بثلاثة أهداف مقابل هدف في المباراة النهائية، ليعتلي منصة التتويج بطلاً للخليج.

وبلغة الأرقام، لم يكن تتويج ناشئي الفراعنة عابرًا؛ فستة انتصارات متتالية، و25 هدفًا في الشباك، مقابل هدفين فقط استقبلتها شباكه ، وفارق أهداف بلغ 23 هدفًا، ومعدل تهديفي تجاوز أربعة أهداف في المباراة الواحدة.

أرقام تعكس تفوقًا مصريًا واضحًا، لكنها في الوقت ذاته تضع واقع المنتخبات الخليجية أمام تساؤلات مشروعة بشأن جودة الإعداد ومستوى التنافسية، ومدى قدرتها على مجاراة المنتخبات التي يُفترض أن تكون منافسًا ندّيًا لها.

هذه النتائج العريضة، وما شهدته بعض المباريات من فوارق فنية واضحة، تضع الاتحاد الخليجي أمام مسؤولية مراجعة منظومة العمل في منتخبات الناشئين، والبحث عن أسباب تراجع الندية والتنافسية، خصوصًا أن حجم الاهتمام والرعاية والانفاق لا يبدو متناسبًا مع المخرجات الفنية المنتظرة؛ فالمؤشرات الحالية لا تبعث على الاطمئنان، ولا تعكس المستوى الذي يفترض أن تكون عليه هذه المنتخبات في ظل ما تحظى به من إمكانات وبرامج إعداد.

في المقابل، وعلى الرغم من تفوق منتخب مصر وحصده اللقب، فإن البطولة الخليجية لا تمثل معيارًا كافيًا للحكم على جاهزيته قبل خوض بطولة كأس العالم، ولا تمنح مؤشرات دقيقة بشأن قدرته على المنافسة في الاستحقاق العالمي، صحيح أن المشاركة وفرت له مكاسب مهمة، سواء على مستوى الانسجام بين اللاعبين، أو تطبيق أفكار تكتيكية متنوعة، أو التكيف مع إيقاع المباريات المتقاربة زمنيًا، بما ينسجم مع متطلبات البطولات الكبرى، لكنها لم تضعه أمام اختبارات فنية حقيقية تكشف بصورة دقيقة متانة منظومته الدفاعية وفاعلية قدراته الهجومية.

فمنتخب مصر لم يواجه خلال رحلته إلى اللقب منافسًا يفرض عليه اختبارًا حقيقيًا لقدراته، أو يدفعه إلى تقديم أقصى ما لديه فنيًا وبدنيًا وتكتيكيًا، ومن ثم، فإن المبالغة في قراءة هذا التتويج باعتباره مؤشرًا على الجاهزية المونديالية ليست قراءة دقيقة؛ فالاختبار الحقيقي ينتظر ناشئي الفراعنة أمام مدارس كروية أكثر قوة وتنوعًا في كأس العالم.

ولم يكتفِ المنتخب المصري باللقب، بل حصد أيضًا معظم الجوائز الفردية، في تأكيد إضافي على تفوقه خلال البطولة، وعلى القيمة الفنية التي أضافتها مشاركته للمنافسات الخليجية ، وهي مشاركة ترد عمليًا على الأصوات التي حاولت التقليل من جدواها، أو تصويرها وكأنها جاءت لتحقيق مصلحة مصرية على حساب البطولة الخليجية، فالمكاسب كانت متبادلة، والمنتخب المصري استفاد من المنافسة، كما استفادت المنتخبات الخليجية من الاحتكاك به.

المشكلة الحقيقية ليست في دعوة منتخبي مصر والصين للمشاركة في البطولة، ولا في فوز أحدهما باللقب، وإنما في اختزال المشاركة المصرية في كونها مكسبًا لمصر وحدها، وكأن المنتخبات الخليجية لم تجنِ من هذا الاحتكاك أي فائدة. هنا تكمن أزمة الخطاب الإعلامي الشعبوي، حين تضيق به الرؤية، ويغيب عنه المنطق، ويحل التبسيط المُخل محل القراءة المهنية، وتُستبدل الموضوعية بمواقف مسبقة لا تستند إلى فهم حقيقي لقيمة المنافسة وتنوع مدارسها.

إن أخطر ما يواجه الإعلام الرياضي ليس اختلاف الرأي، بل ضحالة طرح البعض، ومحدودية الوعي، وتحويل بعض المنابر الإعلامية إلى أدوات لتسويق المواقف الشخصية، في خطاب يفتقر إلى أبسط مقومات المهنية والاستقلالية، ويقترب أحيانًا من الارتزاق الإعلامي أكثر من اقترابه من النقد المسؤول.

الأكثر قراءة

z