من إدارة الفعاليات إلى صناعة الأثر

 

علي بن عبد الحسين اللواتي

 

تحظى المؤتمرات والمعارض والمنتديات في سلطنة عُمان بمكانة تتجاوز بُعدها التنظيمي؛ فهي واجهة تعكس صورة الدولة ومؤسساتها، ومنصة تلتقي فيها القيادات وصنّاع القرار والخبراء والمستثمرون من داخل السلطنة وخارجها. وحين تُقام الفعالية تحت رعاية كريمة من شخصية رفيعة، فإن ذلك يمنحها ثقلًا بروتوكوليًا ورسالة واضحة باهتمام الدولة بالقطاع الذي تتناوله، ويسهم في استقطاب المشاركين ورفع مستوى الحضور والاهتمام الإعلامي.

وخلف كل فعالية ناجحة جهود كبيرة لا تظهر دائمًا للجمهور: أشهر من التخطيط والتنسيق، واختيار دقيق للمتحدثين والضيوف، وإعداد متأنٍّ للبرامج والجلسات، وقد أثمرت هذه الجهود سمعة طيبة للسلطنة وجهةً لاستضافة الفعاليات الإقليمية والدولية، وأسهم في ذلك ما تمتلكه اليوم من بنية حديثة يتقدمها مركز عُمان للمؤتمرات والمعارض.

ومع هذا الرصيد، تبدو المرحلة المقبلة فرصة لإضافة طبقة جديدة إلى النجاح، أن يمتد أثر الفعالية إلى ما بعد يوم ختامها، وأن يُوثَّق ما أنتجته ويُتابَع ويُبنى عليه. وقد تناول كثيرون أهمية التركيز على مخرجات المؤتمرات حتى أصبحت فكرة محل اتفاق، لذا يحاول هذا المقال الانتقال من سؤال «لماذا؟» إلى سؤال «كيف؟»: ما الأدوات والإطار المؤسسي اللذان يمكن أن يجعلا قياس الأثر ممارسة ثابتة، لا اجتهادًا تتحمله كل جهة منظمة بمفردها؟

من المخرجات إلى الأثر

المفهوم الأحدث في صناعة المؤتمرات عالميًا هو «أثر الفعالية» (Event Legacy)، وهو أوسع من المخرجات؛ فالمخرجات هي ما يُعلن في الختام من توصيات واتفاقيات ومبادرات، أما الأثر فهو ما يبقى في البلد المضيف بعد عام أو أكثر، مهارات اكتسبتها كوادر وطنية، وشراكات بحثية نشأت بين جامعات محلية ونظيراتها في الخارج، وفرص حصلت عليها مؤسسات صغيرة ومتوسطة، وبرامج استفادت من النقاشات و مشاريع و استثمارات فعلية على أرض الواقع. وبهذا المعنى، فإن الفعالية الدولية ليست حدثًا لأيام معدودة، بل استثمار يمكن أن يعود على المجتمع لسنوات إذا خُطط لإرثه منذ البداية.

ولا يعني ذلك الاستغناء عن المؤشرات المعتادة كعدد الحضور والجلسات والتغطيات، بل أن تُضاف إليها مؤشرات تناسب طبيعة كل فعالية؛ ففي المؤتمرات الاستثمارية يُقاس الأثر بالمشروعات والشراكات التي انتقلت إلى التنفيذ، وفي الفعاليات المعرفية أو الصحية أو الثقافية يكون الأثر غير مالي، وله مؤشراته الخاصة.

من احتفالية الافتتاح إلى احتفالية الحصاد

إن رعاية شخصية رفيعة لأي فعالية شرفٌ لها ودعمٌ لأهدافها، فهي تمنحها مكانتها وتفتح أمامها الأبواب. ومن هنا يمكن التفكير في توظيف هذه الرعاية الكريمة في اللحظة التي تكون فيها الفعالية في أوج عطائها، أي في ختامها. فبدل أن تبلغ الفعالية ذروتها الاحتفالية في يومها الأول، يكون الافتتاح مختصرًا وعمليًا، ثم تنطلق الجلسات وورش العمل، وتأتي الاحتفالية الرئيسية في الختام بحضور راعي المناسبة، ليُعرض أمامه وأمام المشاركين حصاد الفعالية والتوصيات المتفق عليها، والمبادرات التي وُلدت، والشراكات التي بدأت، والخطوات التي ستلي.

وبهذا يكتسب الختام معنى جديدًا، فلا يكون إسدالًا للستار، بل تتويجًا لما أُنجز، ولحظة يحرص الحضور على البقاء من أجلها.

مظلة الرعاية وجهة التنفيذ

ولا يعني عرض المخرجات أمام راعي المناسبة أن يُحمَّل مسؤولية تنفيذها؛ فالرعاية مظلة تمنح المخرجات ثقلها ودعمها، أما التنفيذ فمهمة تتولاها جهة مختصة. لذلك يُقترح أن تُسمّى، قبل انعقاد الفعالية، جهة أو شخصية مختصة بالقطاع تتولى تبني المخرجات ومتابعة تطبيقها تحت مظلة راعي المناسبة؛ كأن تكون الجهة الحكومية المعنية بموضوع المؤتمر، أو فريق عمل منبثق عنه. وتُعلن هذه الجهة في الحفل الختامي، فيعرف الجميع منذ اللحظة الأولى إلى أين ستذهب التوصيات ومن سيتابعها.

وبهذا التوزيع تتكامل الأدوار: الرعاية تمنح الفعالية مكانتها، والجهة المنظمة تتقن تنظيمها، وجهة التنفيذ تضمن ألا تبقى مخرجاتها حبيسة الأوراق.

التجارب الدولية: الإرث معيار للمنافسة

لم يعد إرث الفعاليات فكرة نظرية، بل أصبح عنصرًا في المنافسة بين الوجهات العالمية لسياحة الأعمال والمؤتمرات (MICE)؛ إذ باتت جمعيات دولية كثيرة تُدرج الأثر والاستدامة ضمن ما تنظر فيه عند اختيار المدن المستضيفة.

ففي سنغافورة، أطلقت هيئة السياحة في مايو 2024 «حقيبة أدوات أثر الفعاليات» لمساعدة المنظمين على التخطيط لأثر ممتد، وتقوم على إطار من أربع مراحل: صياغة الرؤية، وتوليد المبادرات، وتنفيذ الخطط، ثم قياس الأثر، وتشارك الهيئة المنظمين في ذلك منذ مراحل التخطيط الأولى.

وفي الدنمارك، أطلق مكتب كوبنهاجن للمؤتمرات عام 2019 «مختبر كوبنهاجن للأثر» (Copenhagen Legacy Lab)، وهو خدمة مجانية تعمل مع منظمي المؤتمرات الدولية قبل انعقادها بفترة طويلة، لتحديد التحديات التي يواجهها القطاع الذي يتناوله المؤتمر، ثم تصميم أنشطة تترك أثرًا ممتدًا في المدينة والمجتمع، ومتابعتها قبل الفعالية وأثناءها وبعدها.

والقاسم المشترك بين التجربتين أن الأثر تقوده جهة مؤسسية واضحة تبدأ عملها مبكرًا. وثمة مكسب إضافي كثيرًا ما يُغفل، أن سجل الأثر نفسه يصبح أداة تسويقية؛ فالوجهة التي تستطيع أن تُثبت بالأرقام ما تركته فعالياتها السابقة، تقدم عرضًا أقوى عند التنافس على استضافة الفعاليات الدولية القادمة.

دور جديد لمركز عُمان للمؤتمرات والمعارض

في السياق العُماني، يمكن أن يتطور الدور المؤسسي لمركز عُمان للمؤتمرات والمعارض، فيضيف إلى استضافة الفعاليات دور المنصة الوطنية لتوثيق أثرها ومتابعة مخرجاتها، انسجامًا مع رسالته في تحقيق منفعة مستدامة؛ فالمركز نقطة الالتقاء التي تمر بها معظم الفعاليات الكبرى، وتربطه بمنظميها علاقة قائمة قبل الفعالية وأثناءها، ما يجعله الأقدر على بناء سجل موحد ومتراكم، بالتكامل مع الجهات المعنية بالترويج لسياحة الأعمال، فتتولى هي الاستقطاب والترويج، ويتولى المركز التوثيق والقياس والمتابعة.

والمقترح إنشاء «وحدة أثر الفعاليات» داخل المركز، تقدم خدماتها للجهات المنظمة وفق دورة زمنية واضحة:

  1. قبل الفعالية: مساعدة الجهة المنظمة على تحديد النتائج المستهدفة ومؤشرات قياسها.
  2. أثناء الفعالية: توثيق المخرجات الفعلية والاتفاقيات والمبادرات المعلنة.
  3. بعد 90 يومًا وبعد عام: متابعة ما نُفّذ، وما يحتاج إلى دعم إضافي لاستكماله.

ولإتاحة هذه المعلومات لصناع القرار والجهات المنظمة، يمكن تطوير منصة رقمية لمتابعة أثر الفعاليات (Dashboard) تُحدَّث لكل فعالية على حدة، وتعرض مؤشراتها ومخرجاتها وحالة تنفيذها، بما يتيح المتابعة والمقارنة والاستفادة من التجارب السابقة. ويُستكمل ذلك بدليل سنوي موجز يلخص أبرز المؤشرات والدروس المستفادة.

الخلاصة: من نجاح المناسبة إلى استدامة الأثر

لقد قطعت عُمان شوطًا مهمًا في إتقان تنظيم الفعاليات واستضافتها، وأصبح ذلك جزءًا من صورتها الإقليمية والدولية. والخطوة التالية أن نضيف إلى سؤال «كيف نظّمنا؟» سؤالًا مكمّلًا: «ماذا بقي من الأثر؟».

وحين يكون لكل فعالية هدف واضح، ويتوّج ختامها حصادٌ يُعرض تحت رعاية كريمة، ولكل مخرج جهة مختصة تتولى تطبيقه، ننتقل من إدارة الفعاليات إلى صناعة أثرها، بما ينسجم مع مستهدفات رؤية عُمان 2040 في الحوكمة وكفاءة الأداء وجذب الاستثمار وتنمية رأس المال البشري.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z