سنوات الانتظار بين الباحثين عن عمل وضغوط المعيشة

 

صالح الغافري

قال الله تعالى: "الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا" (الكهف: 46). الأبناء والبنات نعمة يفرح بها الوالدان ويعلقان عليهم آمالا كبيرة. تبدأ الرحلة بفرحة الميلاد، وتمضي السنوات تعليماً وتربية ورعاية حتى يوم التخرج الذي نظنه بداية العمل والحياة. وقد يكون هذا اليوم بداية انتظار يطول أكثر مما توقعته الأسرة.

ويتحدَّث العالم اليوم عن تعديل الجينات وما يمكن أن يفتحه مستقبلا من إمكانات وأسئلة. ومن هنا تأتي المفارقة التي تستحق الوقوف عندها. هل نحتاج يوما إلى طفل بمواصفات تناسب وظيفة المستقبل، أم أن الأهم أن نصنع مستقبلا يجد فيه أبناؤنا مكانهم بعد سنوات التعليم؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته". والمسؤولية هنا مشتركة بين الأسرة والمجتمع ومؤسسات الدولة.

وحين يزداد الخريجون في تخصصات محدودة الطلب، بينما يحتاج السوق إلى مهارات أخرى، تظهر مسافة بين التعليم والعمل تستحق مراجعة متأنية. فكل عام يقضيه الخريج باحثا عن فرصة هو جزء من عمره، وجزء من طاقة تعلمت وتأهلت وتنتظر أن تشارك.

ونسمع أحيانا أن الدولة لا توظف وأن دورها ينتهي عند التعليم. والمسألة في تقديري تحتاج نظرة أوسع. لكل دولة ظروفها السكانية والاقتصادية، ولواقعنا العماني احتياجاته وإمكاناته وخططه. وقد استثمرت الدولة في تعليم أبنائها وبناتها وتأهيلهم، ومن الطبيعي أن يكون تقليص المسافة بين التعليم والعمل جزءا من اكتمال هذا الاستثمار.

والوظيفة ليست راتبا يصل آخر الشهر. كم من أسرة تحسن دخلها واستقرت أحوالها حين عمل أحد أبنائها أو بناتها، وكم من بيت ظل يحمل الأعباء نفسها لأن انتظار العمل طال. فالعيش الكريم والأمان الوظيفي وزيادة دخل الأسرة تبدأ أحيانا من فرصة واحدة. وخلف كل باحث عن عمل بيت ينتظر معه، ووالدان يتمنيان أن يريا ثمرة سنوات التعليم.

لهذا تبدو المراجعة المستمرة للعلاقة بين التعليم والسوق، ووضوح الاحتياجات المقبلة، والتدريب المهني والتقني، ودعم المشاريع، ومشاركة القطاع الخاص، مسارات تستحق مزيدا من النقاش والعمل المشترك.

نُعلِّم أبناءَنا سنوات طويلة ونفتح أمامهم أبواب المعرفة، ويبقى اكتمال الرحلة في أن يجد هذا التعليم طريقه إلى العمل والإنتاج والاستقرار. فحين يجد الشاب أو الشابة فرصة مناسبة لا تتغير حياة فرد واحد فقط، وإنما يستقر بيت ويزداد دخل أسرة وتتحرك طاقة جديدة في المجتمع. وهنا تصبح فرصة العمل ثمرة للتعليم، ويصبح انتظار الأسرة بداية حياة لا سنوات مؤجلة.

الأكثر قراءة

z