نداء عاجل

 

علي بن بدر البوسعيدي

مع اعتدال درجات الحرارة في هذه الفترة من العام، تعود الشواطئ العامة في محافظة مسقط لتكون وجهة مفضلة للعائلات والأسر والأفراد، الذين يجدون في البحر وامتداد رماله وجمال الطبيعة متنفسًا للاستجمام وقضاء أوقات ممتعة بعيدًا عن ضغوط الحياة اليومية. وتمثل شواطئ مسقط، وفي مقدمتها شاطئ القرم، واحدة من أهم الواجهات الطبيعية والسياحية التي تزخر بها العاصمة، بما تمتلكه من مقومات جمالية وبيئية تستحق مزيدًا من الاهتمام والعناية.

ومن هذا المنطلق، تبرز أهمية تعزيز مكانة هذه الشواطئ باعتبارها فضاءات عامة مفتوحة للجميع، ينبغي أن تتوافر فيها أجواء الراحة والهدوء والسلامة، وأن يتمكن مرتادوها من الاستمتاع بجمال البحر دون أن تعترض طريقهم ممارسات أو أنشطة تحد من حقهم في الاستفادة من هذه المساحات الطبيعية.

ولعل ما نشهده أحيانًا في شاطئ القرم من إقامة مباريات لكرة القدم وغيرها من الألعاب والأنشطة الرياضية، يطرح تساؤلًا حول مدى ملاءمة تنظيم هذه الفعاليات في المساحات التي يرتادها الجمهور للتنزه والاستجمام، خصوصًا في أوقات المساء وعطلات نهاية الأسبوع؛ فممارسة الرياضة أمر إيجابي ومطلوب، وتشجيع الأنشطة البدنية بين أفراد المجتمع هدف يستحق الدعم، غير أن ذلك لا ينبغي أن يكون على حساب حق العائلات والأسر في الاستمتاع بالشاطئ ومشاهدة البحر والاستفادة من أجوائه الجميلة.

ومن المهم في هذا السياق إيجاد توازن بين الأنشطة الرياضية والترفيهية وحق الجمهور في استخدام الشاطئ، من خلال تخصيص مساحات مناسبة لممارسة الألعاب، وتنظيم الفعاليات بما لا يتعارض مع طبيعة الشاطئ باعتباره متنفسًا عامًا، وبما يضمن عدم استحواذ نشاط معين على مساحات واسعة تحرم الآخرين من الاستمتاع بها.

وفي المقابل، لا تقتصر التحديات التي تواجه شواطئنا على تنظيم الأنشطة؛ إذ إن بعض الممارسات الفردية الخاطئة تترك آثارًا سلبية على البيئة والمشهد العام. ومن المؤسف أن نرى مخلفات الطعام والمشروبات والأكياس البلاستيكية وغيرها من النفايات ملقاة على الرمال، رغم توافر الأماكن المخصصة للتخلص منها. وهي سلوكيات لا تتفق مع أبسط قواعد الذوق العام والمسؤولية المجتمعية، فضلًا عن أضرارها البيئية وما تتركه من انطباع غير حضاري لدى زوار الشاطئ.

والأمر الأكثر إثارة للقلق يتمثل في استخدام بعض مرتادي الشواطئ سيارات الدفع الرباعي، وأحيانًا السيارات العادية، للسير على الرمال في مناطق مخصصة للمشاة والمتنزهين. ولا تقف خطورة هذه الممارسات عند الإضرار بنظافة الشاطئ وطبيعته، وإنما تمتد إلى تهديد سلامة الأسر والأطفال والأفراد الذين يمارسون المشي أو يجلسون بالقرب من المياه، لا سيما عندما يقود البعض مركباتهم بصورة متهورة ودون مراعاة لوجود الآخرين.

إنَّ الشاطئ مساحة عامة ينبغي أن يشعر فيها الجميع بالأمان، ولا يجوز أن تتحول إلى مسار للمركبات أو ساحة لممارسات تعرض حياة الناس للخطر. ومن هنا، فإن الالتزام بالضوابط المنظمة لاستخدام الشواطئ، ومنع دخول المركبات إلى المناطق المخصصة للمشاة، يمثلان ضرورة لا تحتمل التهاون.

وفي هذا الإطار، نشيد بالجهود التي تبذلها بلدية مسقط في تنظيم الشواطئ العامة ومتابعة المخالفات ومحاسبة المتجاوزين، وهي جهود مقدرة تعكس الحرص على الحفاظ على المرافق العامة وتحسين جودة الحياة في المحافظة. ومع ذلك، فإن طبيعة هذه المساحات واتساعها وتزايد الإقبال عليها خلال موسم اعتدال الطقس، تستدعي مزيدًا من المتابعة الميدانية والرقابة، بما يعزز الانضباط ويحد من السلوكيات التي تشوه جمال الشواطئ أو تهدد سلامة مرتاديها.

كما نأمل تكثيف الحملات التوعوية الموجهة إلى المواطنين والمقيمين، للتأكيد على أهمية المحافظة على البيئة البحرية، والتخلص من المخلفات في الأماكن المخصصة، واحترام خصوصية الآخرين، والالتزام بآداب استخدام الشواطئ العامة. ويمكن أن تسهم اللوحات الإرشادية والرسائل التوعوية والحملات الميدانية في ترسيخ هذه الثقافة، إلى جانب تطبيق الأنظمة على المخالفين.

يجب التأكيد على أن شواطئ مسقط ليست مجرد امتداد جغرافي على ضفاف البحر، وإنما هي جزء من الهوية الجمالية للعاصمة، ومتنفس اجتماعي وسياحي وبيئي يستحق أن نحافظ عليه. وجمال هذه الشواطئ لا تصنعه الطبيعة وحدها، وإنما تكتمل صورته بسلوك الإنسان ووعيه واحترامه للمكان ولحقوق الآخرين.

علينا أن نجعل شواطئنا أكثر نظافة وتنظيمًا وأمانًا، ولنعمل جميعًا على أن تظل مفتوحة للاستمتاع بها من قبل الجميع، وأن تكون واجهة حضارية تعكس ما نطمح إليه من جودة للحياة في مسقط.

الأكثر قراءة

z