زيارة تاريخية تفتح آفاقًا جديدة للشراكة العُمانية الصينية

 

ليلى بنت زهران بن أحمد الغلابي **

من بكين، حيث أعيشُ وأدرس، أتابع بفخر واعتزاز، كغيري من أبناء عُمان الدارسين في الصين، زيارة الدولة التي يقوم بها حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم، حفظه الله ورعاه، إلى جمهورية الصين الشعبية؛ فهي أول زيارة دولة يقوم بها سلطان عُماني إلى الصين منذ إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين عام 1978، وتأتي تتويجًا لمسيرة تقارب نصف قرن، ولشراكة استراتيجية أعلنها البلدان عام 2018. وهي في نظري ليست حدثًا دبلوماسيًا عابرًا، بل محطة تؤسس لمرحلة جديدة يكون فيها الإنسان والمعرفة في قلب العلاقة بين البلدين.

جسور عمرها 12 قرنًا

العلاقة بين عُمان والصين أقدم بكثير من تاريخها الدبلوماسي. فقد التقت الحضارتان على طريق الحرير البحري منذ أكثر من اثني عشر قرنًا، حين أبحر التاجر العُماني أبو عبيدة عبدالله بن القاسم إلى الصين، وأسهم في مدّ جسور التجارة والتواصل بين الشعبين، فكان من أوائل من نقلوا صورة عُمان والعرب إلى الشرق البعيد.

وقد أحيا المغفور له بإذن الله السلطان قابوس بن سعيد- طيّب الله ثراه- هذه الذاكرة مرتين. الأولى حين رعى رحلة السفينة "صُحار" التي أبحرت من مسقط إلى كانتون (قوانغتشو) بين عامي 1980 و1981، مقتفية أثر البحّارة العُمانيين الأوائل. والثانية حين شيّد عام 2009 قاعة كبرى ومسجدًا جامعًا بجوار مسجد الأصحاب (تشينغجينغ) التاريخي في مدينة تشيوانتشو، تخليدًا لذكرى أبي عبيدة، وشاهدًا حيًا على عمق الروابط الحضارية والإنسانية بين البلدين. واليوم، تكتب زيارة جلالة السلطان هيثم فصلًا جديدًا في هذه القصة الممتدة.

قراءة من منظور التنمية والعلوم السياسية

أرى هذه الزيارة، من زاوية تخصصي في التنمية الدولية والعلوم السياسية، تجسيدًا عمليًا لنهج السياسة الخارجية العُمانية القائم على التوازن والحياد الإيجابي وبناء الجسور مع مختلف الأطراف، وهو المحور الذي تدور حوله أطروحتي للدكتوراه. فسلطنة عُمان تنظر إلى الصين شريكًا تنمويًا يُكمّل شراكاتها الدولية الأخرى ولا يحلّ محلها، وتحرص على أن تبقى علاقاتها مع القوى الكبرى قائمة على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل واستقلالية القرار.

وتعكس الأرقام هذا الواقع، إذ أصبحت الصين الشريك التجاري الأكبر لسلطنة عُمان، وبلغ التبادل التجاري بينهما نحو 36.7 مليار دولار عام 2024. وتلتقي مستهدفات رؤية عُمان 2040 في التنويع الاقتصادي مع مبادرة الحزام والطريق في مجالات الطاقة المتجددة والبنية الأساسية والخدمات اللوجستية، وفي مقدمتها المنطقة الاقتصادية الخاصة بالدقم. أما نحن الطلبة، فنتطلع إلى أن تنعكس الزيارة علينا في صورة اتفاقيات تعليمية وبحثية أوسع، وفرص أكبر للتدريب والتأهيل، واعتراف أكاديمي متبادل أكثر سلاسة.

تحديات على طريق المعرفة

وفي غمرة هذا التفاؤل، لا بد من الوقوف بصراحة عند التحديات التي نواجهها نحن الطلبة العُمانيين في الجامعات الصينية، فمعالجتها جزء أصيل من استثمار ثمار هذه الزيارة.

يأتي في مقدمة هذه التحديات حاجز اللغة. فاللغة الصينية مفتاح الحياة اليومية حتى في البرامج التي تُدرَّس بالإنجليزية، وهي طريق الباحث إلى المصادر الأصلية والوثائق الرسمية، ولا غنى عنها في دراسة السياسات العامة والتنمية. ومع ذلك يصل كثير من الطلبة إلى الصين دون أساس لغوي كافٍ، ودون معرفة واضحة بالجامعات والبرامج المتاحة. ولهذا أقترح إدراج تعليم اللغة الصينية في المؤسسات التعليمية في سلطنة عُمان على أيدي معلمين صينيين من الناطقين بها، فذلك يسرّع الإتقان ويضبط النطق، وأن تموّل الحكومة دراسة اللغة للطلبة الراغبين في عُمان أو في الصين. كما أتمنى أن تقدّم وزارة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار دليلًا معتمدًا بالجامعات الصينية التي تدرّس اللغة، وأن تساعد الطلبة في إجراءات السفر والاستقبال، وأن تُنشأ قناة تواصل رسمية تربط الطلبة الجدد بزملائهم العُمانيين الدارسين في الصين، ليستفيد القادمون من خبرة من سبقوهم منذ أول يوم.

ويأتي بعد ذلك تحدي التكيّف الثقافي والأكاديمي. فالنظام الأكاديمي الصيني يختلف في أساليب الإشراف ومتطلبات التخرج، ومنها اشتراطات النشر العلمي التي تفرضها جامعات كثيرة على طلبة الدكتوراه. ويواجه الباحث صعوبة في الوصول إلى عدد من المواقع ومحركات البحث والمنصات العالمية من داخل الصين، فيصعب عليه الحصول على المعلومات والمراجع. وتتعذّر كذلك المقابلات وجمع البيانات الميدانية في سلطنة عُمان بسبب بُعد المسافة، يضاف إلى ذلك البعد عن الأهل والوطن، وقلة الطعام الحلال في بعض المدن. ويمكن تذليل كثير من ذلك بتمكين الطلبة المبتعثين من الوصول إلى قواعد البيانات العلمية العالمية عبر اشتراكات مؤسسية تتيحها الجامعات العُمانية، وتقديم منح سفر ميدانية لطلبة الدراسات العليا لجمع البيانات في عُمان، وتسهيل المقابلات مع الجهات الحكومية عن بُعد بخطابات رسمية من الوزارة أو السفارة. ويبقى لجمعيات الطلبة العُمانيين، بدعم من سفارة سلطنة عُمان في بكين، دور مهم في إرشاد الطلبة الجدد وإعداد أدلة عملية بأماكن الطعام الحلال والخدمات الأساسية في كل مدينة.

أما تكاليف المعيشة، فترتفع كثيرًا في المدن الكبرى مثل بكين وشنغهاي مقارنة بغيرها، وهو ما يستدعي مراجعة المخصصات الدراسية دوريًا وفق مؤشر تكلفة المعيشة في كل مدينة، بدلًا من مخصص موحّد لجميع المدن. ولا تتوفر حاليًا مسارات واضحة تدعم الراغبين في مواصلة البحث بعد الدكتوراه في الصين، مع أن هذه المرحلة تبني الخبرة البحثية والشبكات الأكاديمية الدولية. ولذلك أقترح إطلاق برنامج منح لما بعد الدكتوراه بالتعاون مع الجامعات ومراكز البحث الصينية، يرتبط بأولويات رؤية عُمان 2040، ويضمن مسارًا واضحًا لاستيعاب الباحثين في الجامعات والمؤسسات العُمانية بعد عودتهم.

تطلعات نحو شراكة معرفية تخدم الوطن

يُعلّمنا علم التنمية الدولية أن الاستثمار الأكثر استدامة هو الاستثمار في الإنسان، وأن المعرفة هي ما يبقى للأوطان حين تنتهي المشاريع وتنقضي الاتفاقيات. ومن هنا أتطلع إلى أن تثمر الزيارة السامية عن توسيع المنح الدراسية في التخصصات التي تخدم مستهدفات رؤية عُمان 2040، كالذكاء الاصطناعي والطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر والخدمات اللوجستية، وكذلك دراسات التنمية والسياسات العامة والعلاقات الدولية، وأخصّ بالذكر تخصص التنمية الدولية والعلوم السياسية الذي أدرسه حاليًا.

فقد غيّرت هذه الدراسة طريقتي في النظر إلى العالم. صرت أرى أن الدول تستطيع حلّ خلافاتها بالحوار والمصالح المشتركة لا بالصراع والمواجهة، وأن السلام والتنمية وجهان لعملة واحدة. وتلتقي هذه القناعة مع ما ترسّخه خطة الأمم المتحدة للتنمية المستدامة 2030 في هدفها السادس عشر، الذي يربط بين السلام والعدالة والمؤسسات القوية.

«السلام ليس مجرد غياب الحرب، بل هو ثمرة التنمية والعدالة والتعاون بين الشعوب»

وتجسّد سلطنة عُمان هذا المبدأ عمليًا منذ عقود، فقد عُرفت بسياسة الحياد الإيجابي وحسن الجوار، وبدورها في الوساطة وتقريب وجهات النظر بين الأطراف المتنازعة. والصين بدورها تؤكد في خطابها الدبلوماسي مبدأ التنمية المشتركة والحلول السياسية للنزاعات، ومن ذلك رعايتها الاتفاق السعودي الإيراني في بكين عام 2023. لذلك فإن إعداد كوادر عُمانية متخصصة في التنمية وحل النزاعات والدبلوماسية، تفهم الشرق والغرب معًا، يخدم نهج عُمان ويعزز حضورها صوتًا للسلام في المنطقة والعالم.

وأتطلع كذلك إلى برامج أكاديمية مشتركة ودرجات علمية مزدوجة بين جامعة السلطان قابوس والجامعات العُمانية من جهة، والجامعات الصينية الرائدة من جهة أخرى، تشمل تبادل الطلبة لفصل أو عام دراسي، والمدارس الصيفية، والإشراف المشترك على رسائل الماجستير والدكتوراه. وإلى جانب ذلك، أتمنى أن تُنشأ مراكز بحثية مشتركة تدرس التجربة التنموية الصينية بعين ناقدة، وتبحث فيما يمكن توطينه منها في السياق العُماني. فقد انتشلت الصين مئات الملايين من الفقر خلال أربعة عقود، وطوّرت نماذج للمناطق الاقتصادية الخاصة والتعليم المهني والتحول الرقمي والبنية الأساسية، وفي هذه التجربة دروس قيّمة لمشاريع مثل الدقم، ولخطط التنويع الاقتصادي وتنمية المحافظات. ولا يعني ذلك استنساخ النموذج الصيني، بل الاستفادة منه بما يتوافق مع هويتنا وأولوياتنا الوطنية، وهذا جوهر علم التنمية الدولية. ويمكن أن تُتوَّج هذه الجهود بمجلة علمية أو مؤتمر سنوي مشترك يجمع الباحثين العُمانيين والصينيين في قضايا التنمية والطاقة والأمن الإقليمي.

ولا تكتمل المعرفة دون تطبيق، ولهذا أتطلع إلى برامج تدريب منظّمة للطلبة والخريجين في الشركات الصينية العاملة في سلطنة عُمان، ولا سيما في الدقم، وفي الشركات والمؤسسات داخل الصين، على أن يُربط هذا التدريب بالتزامات واضحة في توظيف الكفاءات الوطنية وتعمينها، حتى تتحول الاستثمارات المشتركة إلى فرص عمل حقيقية لأبناء الوطن. كما أتطلع إلى منح ميدانية لطلبة الدراسات العليا، وتسهيل وصولهم إلى مراكز الفكر والمؤسسات الحكومية في البلدين، وتبادل الأساتذة الزائرين. وأقترح أن تتاح لطلبة العلوم السياسية والتنمية الدولية واللغة الصينية فرص تدريب في سفارة سلطنة عُمان لدى جمهورية الصين الشعبية، فيتعرفوا عن قرب على العمل الدبلوماسي، ويسهموا بمعرفتهم باللغة والثقافة الصينية في دعم عمل السفارة، فتُعَدّ بذلك كوادر دبلوماسية وطنية متخصصة في الشأن الصيني والآسيوي.

وأخيرًا، أتطلع إلى إنشاء شبكة رسمية لخريجي الجامعات الصينية من العُمانيين. فهؤلاء الخريجون يفهمون اللغة والثقافة ومنظومة صنع القرار في الصين، ويمكنهم أن يكونوا جسرًا بين البلدين في الاقتصاد والسياسة والثقافة والإعلام. وهذا ما تسميه أدبيات العلوم السياسية "القوة الناعمة" و"الدبلوماسية العامة"، أي أن تبني الدول علاقاتها على المعرفة والثقة المتبادلة بين الشعوب، لا على المصالح وحدها.

نحو مستقبل نصنعه معًا

أرى في ضوء التعاون بين الصين و سلطنة عُمان أن سلطنة عُمان قادرة على أن تكون نموذجًا لدولة تستفيد من الشراكة مع الصين في التنمية، وهي محافظة على استقلالية قرارها وتوازن علاقاتها الدولية. ونحن الطلبة العُمانيين في الصين نحمل مسؤولية أن نعود بما تعلمناه لخدمة الوطن، وأن نكون سفراء لقيمه في الحوار والتسامح والسلام. وبذلك نواصل ما بدأه أبو عبيدة عبدالله بن القاسم قبل اثني عشر قرنًا من بناء الجسور بين عُمان والصين، ونجدد العهد على أن تبقى المعرفة أمتن هذه الجسور وأبقاها.

** طالبة دكتوراه في جامعة الأعمال الدولية والاقتصاد (UIBE)، بكين

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z