سور الصين العظيم برائحة اللبان

 

 

 

د. إبراهيم بن سالم السيابي 

يمتد سور الصين العظيم على سفوح الجبال، صاعدًا وهابطًا مع تضاريسها، كأنما أراد الإنسان أن يترك على وجه الأرض أثرًا لا تقوى القرون على محوه. تقف أمامه، فتأخذك الحجارة إلى زمن بعيد؛ إلى أيدٍ تعاقبت على بنائه، وأجيال مرّت من هنا، وتركت خلفها حكاية أكبر من أعمارها. 

لا يبدو السور مجرد بناء طويل، بل ذاكرة أمة اختارت أن تكتب شيئًا من تاريخها على امتداد الجبال. وعلى مسافة بعيدة من تلك الجبال، كان البحر يفتح طرقًا أخرى لحكايات لا تقل قدمًا. سفن عُمانية تمخر عباب المحيط، تحمل من أرض ظفار اللبان، ذلك العطر الذي سافر إلى ممالك ومدن بعيدة، وعبر الموانئ والطرق التجارية، حتى غدا جزءًا من ذاكرة العالم القديم. 

وربما لم يكن الذين استقبلوا ذلك العطر يعرفون الكثير عن الأرض التي جاء منها، لكن رائحته كانت تمضي أبعد مما تمضي السفن أحيانًا. هنا يلتقي في مخيلتنا مشهدان من زمن قديم: سور يروي حكاية أمة على اليابسة، وسفن تحمل حكاية أمة أخرى عبر البحر. وبينهما مسافات واسعة، لكنها لم تكن بعيدة عن تلك الصلات التي نسجتها التجارة والرحلات، حين كانت الشعوب تتعارف بما تحمله سفنها، وبما تتبادله من سلع ومعارف وحكايات. 

ولم تكن تلك الحجارة وحدها ما أبقته الصين من حكايتها القديمة؛ فخلف السور مدن ومعابد، وعلوم وفنون، واكتشافات تركت أثرها في مسيرة الإنسانية، وشبكات تجارية امتدت عبر ما عُرف تاريخيًا بطريق الحرير، جعلت من الصين حاضرة في ذاكرة العالم منذ قرون.

غير أن المدهش في الحكاية ليس ما بقي من ذلك الماضي فحسب، بل قدرة هذه البلاد على أن تمضي منه إلى زمن آخر، وأن تعيد صياغة حضورها في عالم تتغير موازينه بسرعة. فالصين التي نقرأ آثارها في صفحات التاريخ، نراها اليوم حاضرة بقوة في الصناعة والاقتصاد والتقنية، وكأنها تقول إن الأمم لا تعيش على أمجادها وحدها، بل بما تضيفه إلى حاضرها أيضًا. 

وعلى الضفة الأخرى من هذه الحكاية، تقف عُمان بذاكرتها الممتدة، وبحضورها الذي لم تصنعه الجبال وحدها، بل حملته السفن إلى ما وراء البحار. فمن موانئها انطلقت الرحلات، وإلى سواحلها وصلت قوافل التجارة، وظلت صلتها بالبحر أكثر من مجرد عبور للمياه؛ كانت معرفة بالعالم، واتصالًا بشعوبه، وتبادلًا ترك أثره في مسيرة هذه البلاد. ولم تكن سفنها تحمل البضائع وحدها، بل كانت تحمل معها معرفة البحار وأخبار الشعوب. ولعل أجمل ما في تاريخ عُمان أنه لم يكن حكاية مكان انعزل خلف حدوده، بل حكاية أرض عرفت أن العالم أوسع من جغرافيتها، وأن التواصل مع الآخرين جزء من تكوينها. 

وهكذا، حين نضع الحكايتين جنبًا إلى جنب، لا نبحث عن أوجه الشبه والاختلاف بقدر ما نتأمل مسارين طويلين؛ لكل منهما خصوصيته، ولكل منهما ما يقدمه للعالم؛ فالتاريخ ليس مِلكًا لأمة دون أخرى، ولا تنفرد حضارة بحمل مفاتيح المعرفة. وربما تتكرر الحكايات بين الشعوب، لكن معانيها لا تتكرر بالضرورة؛ فلكل زمن أسئلته، ولكل جيل طريقته في الإجابة عنها. 

ولعل هذه المسافة التي قطعتها الحكايتان عبر الزمن هي ما يمنح زيارة دولة لحضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق بن تيمور المعظم، حفظه الله ورعاه، إلى جمهورية الصين الشعبية معناها الأعمق. فليست الزيارة مجرد انتقال من عاصمة إلى أخرى، ولا مناسبة عابرة في سجل العلاقات بين الدول، بل لقاء بين بلدين يحمل كل منهما ذاكرة حضارية عريقة، ويعيش تجربة معاصرة لها خصوصيتها، ويتطلع إلى مستقبل تتسع فيه آفاق التعاون.

وحين يلتقي تاريخ عُمان بتاريخ الصين، فإننا لا نستعيد صفحات مضت فحسب، بل نفتح صفحة جديدة، نقرأ فيها ما يمكن أن تصنعه الرؤية حين تلتقي بالتجربة والطموح.

وإذا كانت عُمان قد اختارت في سياستها نهج الحياد والحوار، وجعلت من التواصل جسرًا لعلاقاتها مع العالم، فإن الاقتصاد بدوره يحتاج إلى رؤية تقرأ التحولات قبل أن تتحول إلى واقع، وتدرك أن مكانة الدول في عالم اليوم لا تُقاس بما تملكه من موارد فحسب، بل بقدرتها على توظيفها، وبما تنسجه من علاقات وشراكات تفتح أمامها مسارات جديدة للنمو والتقدم. 

ومن هنا تبرُز أهمية التوجه نحو الصين؛ فالأمر لا يتعلق بحجم اقتصادها أو ما بلغته من تقدم صناعي وتقني فحسب، وإنما بتجربة تستحق التأمل في قدرتها على الانتقال إلى موقع متقدم في الاقتصاد العالمي. وهنا تتجلى أهمية الرؤية التي يحملها جلالة السلطان- حفظه الله؛ إذ إن اختيار وجهة بهذا الثقل الاقتصادي يعكس اهتمامًا بقراءة موازين العالم الجديدة، وإدراكًا بأن بناء المستقبل لا يكون بالانكفاء على ما تحقق، ولا بالاكتفاء بما نملك، بل بالانفتاح الواعي على التجارب، واختيار الشراكات التي تتوافق مع تطلعات عُمان. فنحن لا نتجه إلى الصين لنبحث عن حكاية تشبه حكايتنا، بل لنلتقي بحكاية أخرى، نتبادل معها الخبرة والمصلحة والطموح.

وعُمان، بما تملكه من موقع جغرافي وتاريخ تجاري ومقومات اقتصادية، لديها ما تقدمه، كما أن أمامها ما يمكن أن تستفيد منه؛ فالشراكات الحقيقية لا تقوم على طرف يمنح وآخر يتلقى، وإنما على مصالح متبادلة ورؤية تدرك قيمة ما لدى كل طرف. 

والعلاقات التي تعيش على ذكريات الأمس وحدها تظل حبيسة الذاكرة، أما تلك التي تستثمر ما بينها من تاريخ وخبرات، وتبحث عن مصالح مشتركة، فهي الأقدر على أن تصنع لنفسها مكانًا في الغد. 

والحكاية التي بدأت بسور شامخ على جبال الصين، وسفن عُمانية حملت عطر ظفار إلى الموانئ البعيدة، لا ينبغي أن تبقى أسيرة الذاكرة. فالأمم التي عرفت طريقها إلى العالم قديمًا، تستطيع أن تجد في حاضرها طرقًا جديدة للقاء والتعاون.  وربما لا يعرف الذين سيكتبون حكايات الغد تفاصيل هذه الزيارة كلها، لكنهم قد يجدون في آثارها ما يدل على أن عُمان والصين لم تلتقيا عند حدود التاريخ، بل جعلتا من ذلك التاريخ بداية لصفحة أخرى.

حفظ الله عُمان وأهل عُمان، وحفظ مولانا حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم في حِلّه وترحاله، وأدام على هذا الوطن عزّه وأمنه وازدهاره.

الأكثر قراءة

z