عائض الأحمد
يعتقد البعض أن الحديث عن السياسة والاقتصاد لا علاقة له بالأفراد أو الدوائر الضيقة، على سبيل المثال: أسرتك وأسرتي، والحي الذي نسكنه. والحقيقة أن الأمر يبدأ من هنا؛ تنشأ بذوره في منازلنا وأحيائنا، ثم تنمو وتمتد لتصل إلى أعلى الهرم.
سأقول لك كيف ولماذا؛ فالحياة ليست أكبر من أن تُفهم، ولا أصغر من أن تُختزل في سُلّم متراتب الدرجات، فكلما بنيت درجاته الأولى بطريقة سليمة، استطعت الصعود إلى أعلاه دون وجل أو ارتباك. وما بين أول درجة وآخرها تتشكل القيم، وتُختبر المبادئ، ويُعرف لكل فرد موضعه، لا بما يفرضه على الآخرين، بل بما يدركه من حقوق وما يتحمله من واجبات.
من منا لم يسمع عن الرقابة الذاتية، وعن ضرورة بنائها لدى أجيالنا منذ الصغر؟ وليس المقصود بها السيطرة وفرض الرأي وخلق المستحيل، بل أن يعلم كل من يسكن تحت هذا السقف أين يقف، وما حقوقه، وأين تقع واجباته التي لا تستقيم الحياة دون أدائها. وأن يدرك أن الحرية ليست انفلاتًا من المسؤولية، كما أن الطاعة ليست تنازلًا عن الحق.
هل تتعارض أولوياتك مع مصالحك؟ وما أهمية كل من حولك، وأين تضعه في سلّم اهتماماتك؟ هل أصدقاؤك أقرب إليك من أهلك وذويك؟ وهل تمنح نفسك حقًا تحرمه على غيرك؟ أسئلة قد تبدو صغيرة، لكنها تحمل في داخلها البذور الأولى لما سيصبح لاحقًا سلوكًا اجتماعيًا، وربما نهجًا تتبناه جماعة أو مؤسسة أو دولة.
هذه المعاني تُبنى وتكبر ذاتيًا في فصول حياتك الصغيرة، حتى ترى النور، وتتحول إلى طريق تسير فيه، وقد يصعب عليك الحياد عنه بعدما يصبح جزءًا من تكوينك. وهنا تكمن أهمية البدايات؛ فما تتسامح معه اليوم داخل دائرتك الضيقة قد تجده غدًا قاعدةً تحكم دائرة أوسع، وما تسمح به لنفسك دون مساءلة قد يتحول، مع الوقت، إلى حق تتوهم أنك تملكه وحدك.
ولعلّ أخطر ما يصيب الإنسان أن يخلط بين حاجته ورغبته، فيمنح الثانية حق الأولى، ثم يطالب الآخرين بأن يتحملوا تبعات اختياراته. فماذا لو كانت رغباتك أكبر من حاجتك؟ وأيهما أحق بأن تتبعه؟ إنها حياتك، وعليك أن تتخذ قراراتك وفق ما تراه، لكن تذكّر أن حقك في الاختيار لا يمنحك حق مصادرة اختيارات الآخرين، وأن ما تملكه اليوم قد يكون حق انتفاع لا ملكية مطلقة
ومن هنا يبدأ التقطير؛ قطرةً قطرة، تتشكل العادات، وتترسخ القيم، ويصبح السلوك الفردي ثقافةً عامة. فليس كل ما يبدأ صغيرًا يبقى صغيرًا، وليس كل ما يستقر في القاعدة يظل بعيدًا عن القمة. وما لم نتعلم إدارة شؤوننا الصغيرة بوعي وعدل، فكيف ننتظر أن تُدار شؤوننا الكبيرة على النحو الذي نرجوه؟
لها: في زمنٍ ما كنت رغبةً وأملًا وشيئًا من حلمٍ وحديث نفس، والآن أنتِ الحاجة والسند ودليل الطريق.
شيء من ذاته: ليس أصعب من أن تبدأ مرتبكًا، تتلمس خطاك في طريقٍ وعر، ثم تجده أيسر كلما ازدادت قدرتك على بلوغ نهايته قبل الآخرين.
نقد: إن كنت تعتقد أن الهبات تصنع أثرًا وتبني أممًا، فلا تغادر باب منزلك، والزم تلك الصومعة، وانتظر فرجًا لن يأتي.
