تشو شيوان **
يشهد العالم اليوم تحولات عميقة ومتسارعة، في ظل استمرار النزاعات الإقليمية، وتصاعد حالة عدم اليقين الاقتصادي، وتنامي التحديات المرتبطة بتغير المناخ والذكاء الاصطناعي. وبالنسبة إلى دول الخليج العربي، التي تقع عند ملتقى آسيا وأفريقيا وأوروبا، فإن هذه التحولات لا تقتصر على التوازنات السياسية الدولية، بل تنعكس بصورة مباشرة على الأمن الإقليمي والتنمية الاقتصادية ورفاه الشعوب. ومن هنا، تبرز تساؤلات جوهرية حول كيفية صون السلام والاستقرار، وتعزيز التنمية المشتركة، وتطوير منظومة الحوكمة العالمية بما يتناسب مع متطلبات العصر.
في هذا السياق، طرح الرئيس الصيني شي جين بينغ في سبتمبر عام 2025 مبادرة الحوكمة العالمية، التي تقوم على خمسة مبادئ أساسية، هي المساواة في السيادة، وسيادة القانون الدولي، والتعددية، والتركيز على الإنسان، والتوجه نحو العمل الفعلي. وتهدف المبادرة إلى الدفع باتجاه منظومة حوكمة عالمية أكثر عدلاً وإنصافاً، مع الحفاظ على الدور المحوري للأمم المتحدة والالتزام بمقاصد ميثاقها ومبادئه.
وقبل بضعة أيام، قدّم وزير الخارجية الصيني وانغ يي، خلال منتدى الحوكمة العالمية الذي عُقد في منطقة شيونغآن الجديدة بمقاطعة خبي شمالي الصين، شرحاً إضافياً لهذه الرؤية، مؤكداً أهمية الحفاظ على المكانة المحورية للأمم المتحدة، والتمسك بالعدالة والإنصاف، وتعزيز تمثيل دول الجنوب العالمي وصوتها في الشؤون الدولية، إلى جانب دعم التنمية المنفتحة وتطوير قواعد الحوكمة في المجالات الناشئة، وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي. كما أعلنت الصين ثمانية إجراءات عملية إضافية لتنفيذ المبادرة، في خطوة تعكس سعيها إلى ترجمة المبادئ إلى تعاون ملموس.
وتنبع الحاجة إلى إصلاح منظومة الحوكمة العالمية من حقيقة أن موازين القوى الاقتصادية والسياسية شهدت تغيرات كبيرة خلال العقود الماضية، بينما لم تواكب بعض آليات الحوكمة الدولية هذه التحولات بالقدر الكافي. فعلى الرغم من تنامي دور الاقتصادات الناشئة والدول النامية في الاقتصاد العالمي، لا تزال هناك فجوات في مستوى تمثيلها ومشاركتها في صنع القرارات ووضع القواعد الدولية. ومن هذا المنطلق، تؤكد الصين ضرورة تمتع جميع الدول، كبيرة كانت أم صغيرة، قوية أم ضعيفة، بحقوق متساوية في المشاركة في الشؤون الدولية، وتطبيق القواعد الدولية على الجميع دون ازدواجية في المعايير.
وبالنسبة إلى منطقة الشرق الأوسط، يشكل السلام والتنمية مدخلاً أساسياً لفهم هذه المبادرة. فقد أثبتت التجارب أن النزاعات الممتدة لا تخلّف تداعيات إنسانية خطيرة فحسب، بل تؤثر أيضاً في أسواق الطاقة والتجارة الدولية وآفاق التنمية. وتدعو الصين إلى احترام سيادة الدول وتسوية الخلافات عبر الحوار والتشاور، وهي مبادئ تلتقي في جوانب مهمة مع نهج دولة الإمارات العربية المتحدة القائم على إعطاء الأولوية للدبلوماسية والحوار وخفض التصعيد الإقليمي. فالاستقرار المستدام لا يتطلب الإرادة السياسية وحدها، بل يحتاج كذلك إلى آليات متعددة الأطراف أكثر فاعلية.
وعلى الصعيد الاقتصادي، تكتسب هذه الرؤية أهمية خاصة بالنسبة إلى دولة الإمارات، باعتبارها مركزاً رئيسياً للتجارة والاستثمار يربط بين آسيا وأوروبا وأفريقيا، واقتصاداً منفتحاً يسعى باستمرار إلى تنويع مصادر النمو. فالدعوة الصينية إلى حماية النظام التجاري متعدد الأطراف، ومواجهة الحمائية، وتعزيز التنمية المشتركة، تتقاطع مع اهتمام الإمارات ببيئة اقتصادية دولية مستقرة ومنفتحة. كما توفر الشراكة الصينية الإماراتية في مجالات التجارة والاستثمار والطاقة والبنية التحتية أمثلة عملية على فرص التعاون القائم على المصالح المشتركة.
وفي الوقت نفسه، لم تعد الحوكمة العالمية مقتصرة على القضايا السياسية والاقتصادية التقليدية، بل باتت تشمل مجالات ناشئة مثل الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي. وفي ظل الاهتمام الكبير الذي توليه الصين والإمارات للتكنولوجيا والابتكار، تتوافر فرص لتعميق الحوار بشأن حوكمة الذكاء الاصطناعي، وبناء القدرات التكنولوجية، وتقليص الفجوة الرقمية، بما يسهم في توسيع استفادة الدول النامية من التقدم التقني.
ولا شك أن إصلاح منظومة الحوكمة العالمية عملية معقدة تتطلب وقتاً وتوافقاً دولياً واسعاً، في ظل اختلاف أولويات الدول ومصالحها. فالتعددية الفاعلة لا تقوم على تجاهل هذه الاختلافات، بل على احترامها، والبحث عن أرضية مشتركة، وتحويل المبادئ المتفق عليها إلى خطوات عملية.
وفي عالم تتزايد فيه التحديات العابرة للحدود، لم يعد بمقدور أي دولة مواجهتها بمفردها. ومن هذا المنطلق، تقدم مبادرة الحوكمة العالمية الصينية إطاراً للنقاش حول سبل تطوير النظام الدولي القائم وجعله أكثر عدالة وشمولاً وفاعلية. وبالنسبة إلى الصين والإمارات، فإن القواسم المشتركة في قضايا السلام والأمن والتنمية وحوكمة التكنولوجيا تفتح آفاقاً لمزيد من التعاون، بما يسهم في بناء منظومة حوكمة عالمية تستجيب بصورة أفضل لتطلعات الدول والشعوب.
** كاتب وإعلامي صيني
