د. عبد الله الأشعل **
دعا السيد بدر بن حمد البوسعيدي وزير خارجية عُمان إلى مبادرة قدمتها سلطنة عُمان لتسوية المشكلات في المنطقة سلميًا، وإطلاق حوار إقليمي يُسوِّي كل المشكلات بين الدول الثمانية الواقعة على مياه الخليج، وهي: سلطنة عُمان والسعودية والكويت والبحرين وقطر والإمارات، إلى جانب إيران والعراق.
وأفاد الوزير في خطاب ألقاه في جامعة كامبريدج، أنه لا ينبغي أن يكون هناك عداء بين إيران ودول الخليج، كما دعا إلى إبرام ميثاق عدم اعتداء فيما بين هذه الدول كافة. اللافت أن هذه المبادرة طُرحت في اليوم التالي للاجتماع الذي عقد في طهران مع دول "حلف مكة"، ودعا الى التوافق بين دول المنطقة؛ وبذلك يمكن قراءة مبادرة عُمان على أنها نتيجة أو سند لاجتماع طهران.
وأشار وزير الخارجية العُماني في سياق طرح المبادرة العُمانية، إلى اجتماع عقد في مسقط عام 1976، وجمع وزراء خارجية الدول الثمانية. وقال إن الدول الثمانية لا بُد أن تدافع عن نفسها ضد المخاطر والتحديات، وأن تتفق على قواعد المرور في مضيق هرمز.
ونود أن نُعلِّق على هذه المبادرة التاريخية عبر عدة نقاط، كما يلي:
أولًا: سلطنة عُمان لها مواقف متميزة في الوساطة وتسوية المنازعات سلميًا، اضافة إلى مواقفها السلمية داخل مجلس التعاون الخليجي.
وقد توسطت مسقط بين إيران وامريكا مؤخرا، واستطاع السيد بدر أن يستحدث وساطة جديدة وهي أن يكون الوسيط قاضيًا بين الطرفين، ولذلك أعلنت عُمان بعد انهيار الوساطة أن أمريكا مُخطئة. وجرت العادة ان الوسيط يكون محايدًا حتى يكون مقبولًا من الطرفين.
ولم يعرف التاريخ حالة كحالة أمريكا؛ حيث إن أمريكا وسيط بين إسرائيل وغزة، رغم أن أمريكا لا تتوفر فيها مؤهلات الوساطة؛ لأنها تشارك إسرائيل في إبادة غزة ولا تستطيع إسرائيل ان تتوحش في المنطقة إلا بمساندة أمريكا لها.
ثانيًا: مواقف عُمان في الأزمات الكبرى في المنطقة يُرشِّحها لأن تكون دولة مثالية، وعُمان سبق لها أن جمعت وزراء خارجية الدول المطلة على الخليج، في مسقط، منذ حوالي نصف قرن؛ فتاريخها وسلوكها يشهد على أنها تسعى الى خير المنطقة، وهذا يعطي المصداقية للمبادرة العُمانية المطروحة.
ثالثًا: مركز مضيق هرمز محدد في القانون الدولي؛ فلا تستطيع دول المنطقة ان تتفق على قواعد مخالفة للقانون الدولي باعتباره ممرا مائيا دوليا، وليس صناعيا كقناة السويس أو قناة بنما أو قناة كييل.
رابعًا: دعوة عُمان تتطابق مع دعوة الدول الأربعة المجتمعة في طهران، وأهم ما فيها هو أن تتولى المنطقة بنفسها مسؤولية أمنها؛ وبذلك تتناغم مع دعوة الاجتماع الأول في طهران الذي يتطابق مع شروط طهران في إبعاد الوجود العسكري الأمريكي عن الخليج.
خامسًا: هذا التجمع ينقصه دعوة مصر، حتى يُشكِّل إطارًا مناسبًا للأمن القومي العربي برمته. وقد أشرنا في مقال سابق الى ان الامن القومي العربي لازم لأمن الخليج، ولن تحميه الولايات المتحدة وإسرائيل.
سادسًا: المبادرة العُمانية سوف تلقى قبولًا من دول الخليج الأخرى، وخاصة السعودية، ويجب على عُمان أن تطلب تفعيل المبادرة في إطار الجامعة العربية وفي إطار مجلس التعاون الخليجي.
ولا شك أن نجاح هذه المبادرة سوف يخفف من التوتر في المنطقة، وربما يفضي إلى تسوية مشاكل المنطقة وتحدياتها.
سابعًا: المبادرة سوف تثير أعداء الأمة وهما أمريكا وإسرائيل، ولا يجب إهدار المبادرة عن طريق توسيعها أكثر مما يجب. ويمكن وصل هذه المبادرة بالإطار الإسلامي الذي أرساه الاجتماع الأول في طهران للدول أعضاء حلف مكة مع إيران.
ولذلك تحتاج المبادرة إلى الحذر في التحرك والتنفيذ والإسراع بتنفيذ المبادرة حتى لا تظهر التحديات الإقليمية في المنطقة فتعطلها.
ومصر التي لم تنضم إلى حلف مكة حتى الآن، نعتقد أنها ستُرحِّب بهذه المبادرة رسميًا، وسوف تنضم إليها لدعمها؛ فمصر كان لها دعوة مشابهة لجمع العرب على صعيد واحد.
** أستاذ القانون الدولي ومساعد وزير الخارجية المصري سابقًا
