لا استقرار للأمن القومي العربي بلا استقرار اليمن

 

 

 

سُلطان بن خلفان اليحيائي

 

على قمّة الجبل الأخضر؛ حيث تعانق القمم السحاب وتنساب النسمات الباردة بين مدرّجات المزارع وبساتين الرمان والخوخ والمشمش، جلس عُمانيٌّ إلى جوار أحد أبناء دول الجوار يتأملان مشهدًا بديعًا تتجلّى فيه نِعَم الله على عُمان، من جمال الطبيعة وطيب الأجواء إلى نعمة الأمن والأمان، وهي نِعَم تستوجب الحمد والشكر للمنعم سبحانه وتعالى.

قال الضيف بإعجاب: ما أجمل عُمان! لقد أصبحت وجهة مفضّلة للسائحين لما تنعم به من أمن واستقرار. لكن ما يشغلني أكثر هو سرّ هذا الاستقرار. كيف تحافظ عُمان على علاقاتها المتوازنة مع دول المنطقة حتى مع إيران، في ظل ما يحيط بالمنطقة من صراعات وتجاذبات؟

ابتسم العُماني وقال: لعلّ الهدوء ليس سرًّا بقدر ما هو طريقة في النظر إلى الأمور. فليس كل خلاف يستدعي القطيعة، ولا يعني الحوار مع طرف الموافقة على جميع سياساته.

قال محدّثه: لكن لماذا تتغاضون عن أذرع إيران وما تقوم به من تأجيج للصراعات وتهديد لاستقرار الدول؟

أجابه العُماني: ولماذا نتوقف عند ما تفعله إيران وحلفاؤها ونتغافل عمّا يقوم به الكيان الصهيوني من اعتداءات وتدمير؟ ألسنا بحاجة إلى قراءة المشهد كاملًا بدل الاكتفاء بجانب منه؟

ثم أردف: دعني أسألك: لو كان اليمن بيد سلطة أخرى غير أنصار الله، فهل كانت الصواريخ ستنطلق إسنادًا لغزّة؟ وهل كان باب المندب سيصبح ورقة ضغط في مواجهة الكيان الصهيوني، أم كنّا سنكتفي ببيانات الشجب والاستنكار؟

قال محدّثه: لكن أنصار الله استولوا على السلطة بالقوة وأمسكوا بالبلاد بالحديد والنار.

أجابه العُماني: لا أحد يطالب بتبرئتهم من أخطائهم. لكن الإنصاف يقتضي ألّا نختزل مأساة اليمن في جماعة واحدة، أو ننتقد من يساند غزّة ونتجاهل مواقفه، بينما نغضّ الطرف عن أطراف أسهمت في إضعاف اليمن وإطالة أمد أزماته.

قال محدّثه: أليست إيران توظّف القضية الفلسطينية لخدمة مصالحها؟

قال العُماني: المصالح حاضرة في سياسات الدول جميعًا وإيران ليست استثناءً. وقد أثارت تدخلاتها في دول عربية اعتراضات مشروعة، لكن ذلك لا يلغي ما قدّمته من دعم لحماس ومحور المقاومة، ولا يجعل الصمت عن جرائم الاحتلال موقفًا منصفًا.

وفي يونيو 2025، تعرّضت إيران لهجوم إسرائيلي مباغت أعقبته ضربات أمريكية استهدفت منشآتها النووية. ورفض هذه الاعتداءات لا يعني الموافقة على جميع سياسات طهران، مثلما أن انتقادها لا يبرّر الاعتداء عليها خارج إطار القانون الدولي.

قال محدّثه: وماذا عن استهداف إيران دولًا خليجية بالصواريخ والمسيّرات؟ أليس ذلك انتهاكًا لسيادتها وتهديدًا لأمن شعوبها؟

أجابه العُماني: بلى. سيادة دول الخليج وأمن شعوبها أمران لا يجوز التهاون فيهما ولا تبرير استهدافهما. لكن إدانة الاعتداء على دولة لا ينبغي أن تجعلنا نصمت عن الاعتداء على أخرى. فالعدالة لا تتجزأ ولا تتغير موازينها بحسب هوية المعتدي أو المعتدى عليه.

قال محدّثه: إذن أنت لا تبرّئ أنصار الله ولا تزكّي إيران؟

قال العُماني: هذا هو المقصود. فلا حصانة لأي طرف من النقد، ولا عدالة في محاسبة طرف والتغاضي عن أخطاء غيره.

قال محدّثه: وماذا عن سوريا؟ لماذا أبقت عُمان علاقاتها بالرئيس السابق بشار الأسد رغم ما شهدته البلاد من قصف وانتهاكات؟

أجابه العُماني: إبقاء قنوات التواصل لا يعني تبرئة النظام من أفعاله، لكن الإنصاف يقتضي قراءة المأساة السورية بكل أبعادها. فقد بدأت باحتجاجات داخلية ثم تحولت إلى حرب تداخلت فيها الصراعات المحلية مع التدخلات الإقليمية والدولية.

دعمت إيران وروسيا الحكومة السورية، فيما دعمت الولايات المتحدة وتركيا ودول عربية جماعات معارضة مختلفة. وتدفقت الأسلحة والأموال عبر قنوات متعددة، وشاركت أطراف إقليمية في ترتيبات لتدريب فصائل معارضة وتسليحها، ضمن برامج موثّقة. كما كان لأجهزة استخبارات أجنبية دور في بعض مسارات الصراع، إلى جانب تمويلات عربية رسمية وخاصة دعمت أطرافًا متباينة، لكل منها حساباتها ومصالحها.

وهكذا غدت سوريا ساحة لتصفية الحسابات، فيما دفع السوريون الثمن دماءً وتهجيرًا ودمارًا. لكن كشف التدخلات الخارجية لا يبرّئ النظام من الانتهاكات المنسوبة إليه، ولا يعفي الفصائل المسلحة من جرائمها أو الدول التي موّلتها من مسؤولية دعمها؛ فالمشهد أكبر من رواية تحمّل طرفًا واحدًا كل المسؤولية وتعفي الآخرين، والشعب السوري هو من دفع الثمن الأكبر.

ثم قال العُماني: وما يعنيني الآن هو اليمن الذي لا ينبغي أن يبقى شعبه رهينة الحرب والفقر وصراع النفوذ؛ فاليمن ليس ساحة لتصفية حسابات الآخرين، ولا يجوز اختزال مستقبله في مصالح القوى المتنافسة عليه. إنه يحتاج إلى تسوية سياسية تعيد بناء مؤسسات الدولة وتحفظ سيادتها، وتضع مصلحة اليمنيين فوق حسابات الأطراف المتصارعة.

استقرار اليمن ليس شأنًا محليًّا فحسب، بل ضرورة للأمن القومي العربي؛ فأمنه يرتبط بأمن الخليج وسلامة الملاحة في باب المندب، وبقدرة المنطقة على مواجهة التحديات التي تهدد حاضرها ومستقبلها.

وعاد العُماني ببصره إلى القمم المحيطة بهما وقال: أمّا عُمان التي ننعم فيها بالأمن والأمان فلله الحمد والشكر. وقد عُرفت بلادنا بثباتها على المبادئ وحكمتها في التعامل مع الخلافات وتمسّكها بالحوار والتوازن وتجنّب التصعيد.

وكما ظلّ هذا الجبل الشامخ راسخًا تعصف به الرياح ولا تنال من ثباته، فإن عُمان ماضية في نهجها، لا تحيد عن مبادئها ولا تنجرّ إلى المواجهات؛ فالحوار لا يعني الصمت عن الظلم، والتوازن لا يعني التهاون في الحقوق، بل يعني البحث عن الحلول وصون الأوطان وتجنيب الشعوب ويلات الصراعات.

عندها التفت محدّثه إلى العُماني وقال: لقد كان حوارنا مثمرًا، وأستسمحك أن نتوّجه معًا بكلمة حق نتفق عليها، رغم اختلاف وجهات نظرنا في بعض القضايا.

ثم قالا معًا: إنَّ اليمن يستحق وقفة مشرّفة من جيرانه وأمته، وأن تُكفّ الأيادي عن العبث بأمنه واستقراره. فهو ليس هامشًا في خريطة الأمن العربي، واستقراره ليس مصلحة يمنية وحدها، بل شرط من شروط استقرار الخليج العربي وصون الأمن القومي العربي.

الأكثر قراءة

z