مركز عُمان المالي العالمي.. استثمار الثقة وصناعة التنافسية

 

محمد بن درويش البلوشي

في الاقتصاد العالمي، لا تتحرك رؤوس الأموال بحثًا عن العوائد المجزية وحدها، بل تتجه كذلك نحو بيئات العمل التي توفر الاستقرار والموثوقية ووضوح الأطر القانونية والتنظيمية. فقد أصبحت الثقة المؤسسية أصلًا اقتصاديًا مؤثرًا في قرارات الاستثمار، وعنصرًا أساسيًا في تنافسية المراكز المالية الدولية. ومن هذا المنظور، يكتسب إنشاء مركز عُمان المالي العالمي أهمية استراتيجية تتجاوز تأسيس مركز متخصص للخدمات المالية، ليعكس توجهًا نحو توظيف المقومات المؤسسية والاقتصادية لسلطنة عُمان في بناء صناعة مالية متقدمة، وتعزيز حضورها في منظومة المال والاستثمار العالمية.

وتنبع خصوصية هذه الخطوة من أن سلطنة عُمان تؤسس مركزها المالي على رصيد متراكم من الاستقرار السياسي والمؤسسي، والمصداقية في علاقاتها الدولية، ونهج قائم على التوازن والانفتاح والتعاون. وتمثل هذه المقومات قيمة اقتصادية للمؤسسات الاستثمارية العالمية التي تضع استمرارية السياسات وموثوقية البيئة المؤسسية ضمن اعتبارات إدارة الثروات وتوزيع الأصول وتوظيف الاستثمارات طويلة الأجل. وهنا تتجلى إحدى أهم دلالات المشروع؛ فالمركز يمنح سلطنة عُمان إطارًا جديدًا لتحويل رصيدها من الثقة الدولية إلى ميزة تنافسية في صناعة الخدمات المالية، بما يعزز جاذبيتها للمؤسسات ورؤوس الأموال العالمية.

وتتعزز هذه المقومات بالإطار القانوني والمؤسسي الذي أُنشئ بموجبه المركز وفق المرسوم السلطاني رقم (8/2026)، بما يتمتع به من استقلال مالي وإداري، وبنية تنظيمية متخصصة تستند إلى مبادئ القانون العام المعروفة في الأسواق المالية الدولية. وتكتسب هذه الخصائص أهمية مباشرة لدى المستثمرين والمؤسسات التي تدير معاملات واستثمارات عابرة للحدود، حيث يمثل اليقين القانوني ووضوح الحقوق والالتزامات وكفاءة تسوية المنازعات عناصر جوهرية في القرارات الاستثمارية. فالتشريعات والمؤسسات الفاعلة لا تنظم النشاط المالي فحسب، وإنما تسهم في خفض مستويات عدم اليقين وتعزيز القدرة على التخطيط طويل الأجل، وهو ما يمنح الثقة قيمتها الاقتصادية الحقيقية.

وتتجاوز أهمية المركز استقطاب رؤوس الأموال إلى استقطاب المؤسسات التي تتولى إدارتها وتطوير أدواتها؛ بما يشمل شركات إدارة الأصول والثروات وصناديق الاستثمار والمؤسسات المالية الدولية؛ فهذه الأنشطة تولد منظومة واسعة من الخدمات القانونية والمحاسبية والاستشارية والتقنية، إلى جانب إدارة المخاطر والامتثال والابتكار المالي. وتتميز هذه الصناعة بارتفاع قيمتها المضافة واعتمادها على المعرفة والخبرة المتخصصة، بما يفتح فرصًا لنمو المؤسسات العُمانية، وتطوير الكفاءات الوطنية، وتعزيز مساهمة الخدمات المالية والمهنية في التنويع الاقتصادي.

ويمتد الأثر الاقتصادي لهذه المنظومة إلى القطاعات الإنتاجية، من خلال توسيع مصادر التمويل وتطوير الأدوات الاستثمارية وتعزيز كفاءة تخصيص رأس المال؛ فالاستثمارات في الصناعات التحويلية والطاقة المتجددة والبنية الأساسية والخدمات اللوجستية والتقنيات الحديثة تتطلب حلولًا تمويلية تتناسب مع طبيعة المشروعات وآجالها الاستثمارية. ويتيح تطور صناعة المال فرصًا لربط هذه المشروعات برؤوس الأموال المؤسسية طويلة الأجل، وتعميق التكامل بين النشاط المالي والاقتصاد الحقيقي. كما يعزز المركز فرص التكامل مع المؤسسات المصرفية وبورصة مسقط وشركات الاستثمار، بما يدعم تطور السوق المالية العُمانية وتنوع منتجاتها وخدماتها، ويتكامل مع مستهدفات رؤية عُمان 2040 في تعزيز التنافسية ودور القطاع الخاص.

إنَّ إنشاء مركز عُمان المالي العالمي يمثل تحولًا نوعيًا في تطوير المقومات المؤسسية للاقتصاد العُماني، وخطوة استراتيجية نحو بناء صناعة مالية ذات امتداد دولي. فالقيمة الاقتصادية للمراكز المالية لا تقاس بحجم الأموال التي تستقطبها وحده، وإنما بما تحتضنه من مؤسسات وخبرات، وما تنتجه من خدمات ومعرفة وفرص استثمارية تتراكم آثارها مع الزمن.

ومن هنا، تبرز أهمية المشروع في الجمع بين الثقة التي راكمتها سلطنة عُمان دوليًا، والبنية المؤسسية المتخصصة التي تؤهلها لتعزيز موقعها في صناعة المال العالمية، حيث تصبح الثقة مصدرًا للقيمة، والمعرفة رافدًا للنمو، والتخصص المالي أساسًا لتنافسية اقتصادية مستدامة.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z