دلالات اجتماع طهران مع "حلف مكة"

 

د. عبد الله الأشعل **

فوجئنا بأنَّ وفدًا رفيع المستوى من الدول الثلاث المُشكِّلة لحلف مكة- يضم وزير الدفاع السعودي ورئيس المخابرات التركية وقائد الجيش الباكستاني- اجتمع في طهران مع كبار المسؤولين السياسيين والأمنيين والعسكريين الإيرانيين، وصدر عقب الاجتماع بيان مشترك مقتضب، أهم ما جاء فيه أنَّ مثل هذه الاجتماعات سوف تتكرر من أجل إنشاء الأمن الإقليمي في المنطقة.

وهذا الاجتماع يُثير أسئلة عديدة.

السؤال الأول: هل حسم الاجتماع الجدل حول أن حلف مكة أكثر ميلًا لإسرائيل وأمريكا أم أكثر ميلًا لإيران، والذي أقلقني هو أن تركيا استولت في أنقرة على طائرة مدنية إيرانية؟ بينما كان الجدل حول حلف مكة: أنه موعز به من جانب أمريكا، أم أنه نواة لتحالف إسلامي أوسع؟

السؤال الثاني: هل هذا الاجتماع فعلًا- كما قال البيان- تمهيد لإنشاء حلف إسلامي أوسع، أم أنه غطاء لطمأنة إيران بأنه ليس ضدها، كما أنه غطاء للمفاوضات السعودية الإيرانية لتسوية المشكلة وديًا بين السعودية والحوثيين بدلًا من المواجهة العسكرية بين الحلف وبين الحوثيين؟

السؤال الثالث: هل تم الاجتماع وأمريكا مشغولة بالانتخابات النصفية للكونجرس، أم أن الاجتماع وافقت عليه واشنطن وتتحفظ على النتائج؟

السؤال الرابع: ما معنى قول البيان المشترك إن الاجتماع سيتكرر؟

السؤال الخامس: هل هذا الاجتماع له علاقة بالصراع الإيراني الأمريكي؟

قطعًا، أرادت طهران أن توظف الاجتماع لصالحها ضد واشنطن وإسرائيل، بدليل أنها أثارت في الاجتماع قضية سوريا ولبنان وحزب الله، آملةً أن تحصل على دعم من حلف مكة في موقفها ضد أمريكا وإسرائيل.

والظاهر أنه مهما كانت أمريكا مشغولة، فإنَّ مثل هذا الاجتماع يعتبر تطورًا مهمًا للأمن الإقليمي.

ونذكر أن مصر حاولت أن تنشئ جيشًا عربيًا واحدًا يكون سندًا للأمن القومي العربي، ولذلك ترددت مصر في الانضمام إلى هذا الحلف، رغم أن أعضاءه حبَّذوا انضمام مصر. وربما كان تردد مصر في الانضمام إلى هذا الحلف أن ينتقل من حلف عربي إلى حلف إسلامي، وهذا الأمر له حساسيته بالنسبة للصراع وقواعده على السلطة في مصر.

وتقديري أن الحلف، بدلًا من أن يُساند السعودية ضد الحوثيين، بما يعني الاحتكاك بإيران، عمد إلى الاتجاه السلمي. والراجح أن الاجتماع كان غطاءً لاجتماع السعودية مع إيران، فإن تركيا أميل إلى الولايات المتحدة الأمريكية من إيران، وإذا أخذنا البعد الإسلامي في سياسة أردوغان، فلا بد أن تكون تركيا مع إيران ضد الظلم الأمريكي، ولكن حساسية موقف تركيا بين روسيا وأمريكا تمنعها من ذلك.

والأمر مختلف بالنسبة لباكستان. صحيحٌ أن باكستان نشأت عند تقسيم شبه القارة الهندية عام 1947 بين المسلمين والسيخ، أي إنها قامت على أساس إسلامي. وكانت باكستان وسيطًا نشطًا بين إيران وأمريكا، رغم أن إيران أيدت الهند ضد باكستان في قضية كشمير لاعتبارات سياسية وليست دينية.

ربما خشي الشريكان التركي والسعودي من أن باكستان توظف الحلف ضد الهند، فيتسع نطاق الصراع الإقليمي، خاصة أن الصين تدعم باكستان.

لذا من المبكر جدًا الحكم على هذا الاجتماع الأول في طهران بين إيران ووفد حلف مكة، ولكن هذا الاجتماع يمكن أن يكون فعلًا مقدمة لتحالف إسلامي، من حيث إن أعضاءه أقطاب إسلامية، وهي السعودية وباكستان وتركيا، ولكن إذا كانت نية الاجتماع أن يكون مقدمة لإنشاء حلف إسلامي، فهذا يزعج واشنطن والصين معًا، خاصة إذا حاولت تركيا أن تدفعه لمساندة المسلمين في الصين "الإيجور".

والراجح عندي أن هذا الاجتماع بالغ الأهمية في كونه غطاءً لاجتماع السعودية بإيران لتسوية سلمية للمشكلة اليمنية، خاصة أن أمريكا ترددت في دعم السعودية ودول الخليج، وأن قواعدها في المنطقة كانت لمساعدة إسرائيل. وهذا الاجتماع في الواقع مقدمة لتفاهم إيران مع السعودية، وهي مقدمة طبيعية لتسوية المشكلة اليمنية دون الانتظار للتسوية بين إيران وأمريكا.

وهذا الهدف مقدر بذاته، المهم أن يضع حدًا للصراع في اليمن بين السعودية والحوثيين، وأن يفتح الباب لتخفيف الأعباء عن المواطن اليمني، فيرفع الحصار السعودي عن الموانئ اليمنية، كما تتم محادثات تحت رعاية السعودية وإيران بين الأشقاء في اليمن لتسوية المشكلة بين الحوثيين والرئيس اليمني المقيم في الرياض.

ومن شأن هذه التسوية السياسية أن تكون قدوة في المنطقة لتسوية المشاكل المماثلة، كما أنها تنهي مشكلة السعودية مع المشكلة اليمنية، حتى لا تحتاج إلى مساعدة إسرائيل بشروطها، وتنقذ السعودية من التورط في علاقات مع إسرائيل تحت ضغط أمريكا، خاصة وأن إيران جارة للسعودية وليس هناك مشاكل بينهما.

لا شك أنَّ هذا الاجتماع يكون غطاءً ممتازًا لتفاهم إيران مع الخليج من خلال السعودية لوضع أمن إقليمي بديلًا عن الأمن الأمريكي.

** أستاذ القانون الدولي ومساعد وزير الخارجية المصري سابقًا

الأكثر قراءة

z