يومٌ في مطرح.. حيث تتحدث الأزقة وتروي الفضة حكايات التاريخ

 

محمد بن أنور البلوشي **

"التقطْ صورةً للخنجر أولًا، ثم التقطْ صورتي"، هكذا قال لي صاحب المحل، وأنا أستعد لمغادرته. كان يجلس خلف منضدته في وقارٍ عُماني أصيل، مرتديًا دشداشته الأنيقة، ومتوشحًا خنجره العُماني، وقد اعتلت رأسه عمامةٌ زادته هيبةً وجمالًا. كان وجهه الممتلئ بالبِشر يشع بابتسامةٍ دافئة، يستقبل بها الزبائن وكأنهم ضيوفٌ في بيته، لا مجرد عابرين في سوقٍ قديم.

في ذلك المكان، لم تكن البضائع وحدها المعروضة للبيع، بل كان التاريخ حاضرًا أيضًا، يتنفس بين الجدران، ويختبئ في تفاصيل الفضة، ويتحدث على لسان رجلٍ ورث عن أبيه مهنةً وذاكرةً وحبًا لمطرح.

"عمر هذا المحل مئة وسبعة وثلاثون عامًا، وقد بدأت أساعد والدي فيه منذ أن كنت في السابعة من عمري. كنت أعود من المدرسة، فلا أكاد أضع كتبي حتى أسرع إلى سوق مطرح لأقف إلى جانب أبي".

هكذا أجابني "أَختر رسول"، صاحب المحل، حين سألته عن تاريخ هذا المكان العتيق. كانت كلماته بسيطة، لكنها حملت في طياتها حكاية أجيال، وحكاية طفلٍ كبر بين أصوات الباعة، ورائحة الأسواق القديمة، ولمعان الفضة التي شهدت تعاقب السنين.

سألته مستأذنًا: "هل تسمح لي بالتقاط بعض الصور لما تعرضه من مقتنيات؟".

فأجابني بابتسامةٍ عريضة: "بالطبع، تفضل".

بدأت أتجول في أرجاء المحل، من زاويةٍ إلى أخرى، أتأمل الخواتم الفضية القديمة، والأقراط المزخرفة، والحلي التي تحمل في نقوشها شيئًا من روح الماضي. أخرجت هاتفي من نوع سامسونج من جيبي، وبدأت ألتقط الصور، غير أنني شعرت بأن عدسة الهاتف، مهما بلغت دقتها، لن تستطيع أن تختزن كل ذلك الجمال.

كان المحل مكتظًا بالمجوهرات الفضية، متزينًا بها كعريسٍ عُماني في ليلة زفافه، تتلألأ حوله الألوان والزخارف، وتتعانق فيه الحرفة مع الذاكرة. يا له من مكانٍ ساحر! ويا لها من ألوانٍ تروي حكايات نساءٍ ارتدين تلك الحلي في أعراسهن، وأمهاتٍ أورثنها لبناتهن، وأجيالٍ مضت وتركت وراءها جمالًا لا يشيخ!

وبينما كنت أتأمل المكان، قال أختر رسول: "لأن مطرح مدينة تاريخية، وسوقها من الأسواق العريقة، فإنني أحرص على ارتداء الزي العُماني التقليدي".

سألته وقد أثار كلامه فضولي: "ولماذا تحرص على ذلك؟".

فأجابني بكلماتٍ بقي صداها في ذاكرتي: "لأنني لا أمثل هذا المحل وحده، بل أمثل سلطنة عُمان".

يا لها من إجابةٍ عميقة! لقد اختصر هذا الرجل في جملةٍ واحدة معنى الانتماء، وأدرك أن الهوية ليست مجرد ثوبٍ نرتديه، بل رسالةٌ نحملها، وتاريخٌ نصونه، وصورةٌ نقدمها للعالم.

ثم أضاف قائلًا: "يزور مطرح كل يوم عددٌ كبير من الأجانب، وهم يرغبون في معرفة المزيد عن عُمان وثقافتها وشعبها، وأعتقد أنني في المكان المناسب وفي الوقت المناسب لأعرّفهم ببلادي".

أدركت حينها أنني لم أكن أتحدث إلى تاجر فضةٍ فحسب، بل إلى رجلٍ يمارس دور السفير الثقافي لوطنه دون منصبٍ رسمي أو خطابٍ معدّ سلفًا. كان خنجره، وعمامته، وابتسامته، وحسن استقباله، جميعها صفحاتٍ مفتوحة من كتاب عُمان.

وفي إحدى زوايا المحل، استوقفتني مجموعةٌ من الصور المعلقة على الجدار. كانت صورًا تجمع أختر رسول بشخصياتٍ زارت عُمان، من بينها صورٌ مع أبناء رئيس زنجبار، وأخرى مع جون كيري، السياسي الأمريكي الذي خاض الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة عام 2004، وصورةٌ مع الفنان الكويتي الشهير عبدالله الرويشد، إلى جانب شخصياتٍ أخرى.

وقفت أتأمل تلك الصور، وكأنني أقف أمام معرضٍ صغير يوثق لقاءاتٍ عبر سنواتٍ طويلة. لم تكن مجرد صورٍ للذكرى، بل شواهد على أن الأسواق القديمة قد تتحول إلى ملتقى للثقافات والشعوب، وأن محلًا صغيرًا في مطرح قد يستقبل وجوهًا جاءت من أطراف العالم.

سألته: "هل تسمح لي بتصوير هذه الصور؟".

فأجاب برحابة صدر: "تفضل، أنت حر".

ثم قال: "تعال معي، سأريك صورًا أخرى".

انتقلنا معًا إلى زاويةٍ ثانية من المحل، حيث كانت صورٌ أخرى تزين الجدار، وراح يحدثني عن أصحابها، واحدًا تلو الآخر، وكأنه يقلب صفحات ألبومٍ عائلي كبير، لا يضم أفراد أسرته وحدهم، بل وجوهًا من العالم مرّت من هنا وتركت شيئًا من حضورها.

وحين اقترب وقت الظهيرة، فاجأني بدعوةٍ كريمة قائلًا: "ما رأيك أن نتناول الغداء في منزلي؟ لقد حان وقت الغداء".

ابتسمت وشكرته على كرم ضيافته، وقلت: "إن شاء الله في مناسبةٍ أخرى، فقد حان وقت عودتي".

خرجتُ من محله، لكنني لم أخرج من حكايته. بقيت كلماته ترافقني، وبقيت صور الفضة والخناجر والوجوه القديمة حاضرةً في ذاكرتي. لقد تعلمت في تلك الزيارة أن بعض الناس لا يبيعون البضائع وحدها، بل يحرسون الذاكرة، ويحافظون على ما تبقى من جمال الأمس في عالمٍ يركض مسرعًا نحو الغد.

أما مطرح، فليست مجرد مدينةٍ ساحلية تحتضنها الجبال، ولا سوقًا عتيقًا تتجاور فيه المحلات والأزقة الضيقة. إنها قصيدةٌ عُمانية كتبها البحر، وحفظتها الجبال، ورددتها أقدام التجار والبحارة والمسافرين على امتداد القرون.

** محاضر الاقتصاد بجامعة التقنية والعلوم التطبيقية

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z