قراءة في إنجازات التعليم ضمن رؤية "عُمان 2040"

 

 

 

د. سلطان سالم العيسائي

يمثل التعليم أحد المرتكزات الاستراتيجية في بناء الدول بما يمتلكه من قدرة على تنمية رأس المال البشري، وتعزيز التنافسية الوطنية، وقد أولت رؤية عُمان 2040 هذا القطاع مكانة محورية ضمن أولوية (التعليم والتعلم والبحث العلمي والقدرات الوطنية)، انطلاقًا من توجه استراتيجي يستهدف بناء تعليم شامل وتعلم مستدام، ومع تقدم مسيرة تنفيذ الرؤية، تتوالى المؤشرات التي تعكس تطور المنظومة التعليمية العُمانية، وما تشهده من تحولات نوعية في السياسات والممارسات المؤسسية.

وتكشف المؤشرات الدولية الحديثة عن تطور ملموس في عدد من المجالات المرتبطة بأولويات رؤية عُمان 2040، ولا سيما التعليم والبحث العلمي والابتكار؛ إذ حافظت سلطنة عُمان على المرتبة (69) عالميًا في مؤشر الابتكار العالمي لعام 2026، مع تقدم لافت في مدخلات الابتكار بثمانية مراكز لتصل إلى المرتبة (47) عالميًا، وفقًا لتقرير المنظمة العالمية للملكية الفكرية، كما حققت السلطنة المرتبة (56) عالميًا في مؤشر تنافسية المواهب العالمية لعام 2025، وفق أحدث إصدار متاح، وتعكس هذه النتائج مسار الجهود الوطنية في تطوير البيئة الداعمة للابتكار وتنمية رأس المال البشري.

وفي قطاع التعليم العالي، تتجلى ملامح هذا التقدم في النتائج الحديثة لتصنيف كيو إس (QS) للجامعات العربية لعام 2027، الصادر في أكتوبر 2026، حيث حلت خمس جامعات عُمانية ضمن أفضل مئة جامعة عربية، فقد حققت جامعة السلطان قابوس المركز السابع عربيًا، متقدمة مركزًا واحدًا عن التصنيف السابق، فيما ارتقت جامعة ظفار إلى المركز (53) بتقدم (22) مركزًا، وجامعة صحار إلى المركز (65) بتقدم (16) مركزًا، كما جاءت جامعة نزوى في المركز (51)، والجامعة الألمانية للتكنولوجيا في عُمان في المركز (98)، وتعكس هذه النتائج تنامي الحضور الأكاديمي والبحثي لمؤسسات التعليم العالي العُمانية، وتعزيز مكانتها التنافسية على المستوى الإقليمي.

وامتدت الجهود الوطنية إلى تعزيز منظومة البحث العلمي وتطوير القدرات البحثية؛ إذ كشفت أحدث البيانات الصادرة في أكتوبر 2026 عن اعتماد تمويل (467) مقترحًا بحثيًا ضمن برنامج التمويل المؤسسي المبني على الكفاءة بقيمة بلغت (2.2) مليون ريال عُماني، وبمشاركة (28) مؤسسة تعليمية وبحثية.

 كما أظهرت نتائج المسح الوطني للبحث والتطوير لعام 2025 ارتفاع الإنفاق على أنشطة البحث والتطوير إلى جانب ارتفاع عدد الباحثين إلى (18,193) باحثًا، مقارنة بـ(13,576) باحثًا عام 2024، وهذه المؤشرات تشير إلى اتساع الاستثمار الوطني في المعرفة وتنمية القدرات البحثية بما يعزز دور البحث العلمي في دعم الابتكار ومعالجة التحديات التنموية وتحقيق مستهدفات رؤية عُمان 2040.

وعلى مستوى التعليم المدرسي، شهدت المنظومة التعليمية توجهات تطويرية مهمة، من أبرزها إعداد الإطار الوطني لتقويم أداء المدارس، الذي يؤسس لمرحلة أكثر انتظامًا في قياس جودة الأداء، وتشخيص جوانب القوة وفرص التحسين وفق معايير وطنية واضحة، كما تضمنت الجهود تطوير التعليم المهني والتقني في مرحلة التعليم ما بعد الأساسي، والتوسع في رقمنة المناهج الدراسية، من خلال مشروع يستهدف تطوير المحتوى التعليمي إلى صيغ رقمية تفاعلية في (46) كتابًا دراسيًا جديدًا خلال عام 2025، وتمثل هذه التوجهات خطوات مهمة نحو بناء منظومة تعليمية أكثر استجابة لمهارات المستقبل ومتطلبات التحول الرقمي، بالإضافة إلى أن المنظومة التعليمية العُمانية شهدت تطورًا ملحوظًا في مجالات التحصيل الدراسي، والتوسع في الخدمات التعليمية، وتطوير المناهج، وتعزيز التحول الرقمي.

وعند قراءة هذه المنجزات من منظور الإدارة التربوية، تتضح أهمية القيادة التربوية الفاعلة بوصفها أحد العوامل الجوهرية في تحويل التوجهات الاستراتيجية إلى ممارسات مؤسسية ونتائج قابلة للقياس، فالإنجازات التعليمية تتطلب منظومة قيادية تمتلك وضوح الرؤية وكفاءة التخطيط، والقدرة على توظيف الموارد وبناء فرق العمل، وتحفيز المبادرات، ومتابعة التنفيذ وتقويم أثره. ومن هذا المنطلق، فإن ما تحقق من تقدم يعكس تكامل الجهود الوطنية، وما تضطلع به القيادات التربوية على مختلف المستويات من أدوار مؤثرة في ترجمة السياسات التعليمية إلى برامج ومشروعات تستجيب للاحتياجات الفعلية للميدان.

وتكتسب القيادة التربوية على مستوى المديريات التعليمية أهمية خاصة؛ لكونها الحلقة التي تتكامل من خلالها التوجهات المركزية مع واقع المدارس واحتياجاتها، وتبرز كفاءتها في قدرتها على بناء منظومة إشرافية تستند إلى الأدلة والمؤشرات، وتمنح التطوير المهني أولوية، وتدعم المبادرات النوعية، وتعزز ثقافة المساءلة والتحسين المستمر، ولا شك أن الحضور القيادي الواعي في الميدان التربوي يسهم في فهم التحديات بصورة أكثر دقة، وتوجيه الدعم إلى مواضعه، فالقيادة التي تحسن قراءة الواقع وتستثمر في الإنسان وتتابع أثر قراراتها؛ هي الأقدر على صناعة التميز المؤسسي واستدامته.

وفي سياق الحديث عن المنظومة التعليمية، يشكل الإشراف التربوي أحد المسارات الأساسية لتعزيز جودة التعليم وتحقيق مستهدفات الرؤية؛ إذ تتجلى فاعليته في تطوير الممارسات التدريسية، ودعم المعلمين وتحليل نتائج التعلم، ومساندة المدارس في تنفيذ خطط التحسين، ويتطلب ذلك تعزيز التكامل بين القيادة المدرسية والمشرفين التربويين، وتوظيف نتائج التقويم المدرسي في اتخاذ القرارات التطويرية، بما يضمن انتقال أثر الجهود الإشرافية إلى مختلف جوانب الأداء المدرسي.

وفي مجال التعلم المستمر تبرز جهود وزارة التعليم في توسيع الفرص التعليمية وتعزيز العدالة في الوصول إلى المعرفة، حيث انخفض معدل الأمية إلى (0.5%) وفق بيانات عام 2025، في مؤشر يعكس حصيلة الجهود الوطنية المتواصلة في تعليم الكبار، وتتجلى القيمة المضافة لهذه الجهود أبعادًا جديدة مع التوسع في توظيف التقنيات التعليمية وخطط مشاريع محو الأمية الرقمية. 

وفي إطار استشراف مستقبل التعلم المستمر، تتعاظم أهمية توسيع مفهومه ليشمل مختلف فئات المجتمع، وعدم اقتصاره على برامج محو الأمية وتعليم الكبار؛ فالتجارب الدولية الرائدة، ومنها سنغافورة وفنلندا تؤكد أهمية إتاحة فرص التعلم والتطوير المستمر للأفراد بمختلف أعمارهم ومستوياتهم التعليمية والمهنية من خلال برامج تنمية المهارات، وإعادة التأهيل المهني، والتعلم الرقمي، ومواكبة التحولات المعرفية والتقنية.

ومع أهمية المؤشرات الإيجابية التي تحققت؛ فإن المرحلة المقبلة تستدعي مزيدًا من التركيز على جودة المخرجات التعليمية وتعزيز الابتكار، ورفع كفاءة الأداء المؤسسي وربط نتائج التقويم بخطط التطوير الفعلية، كما تتطلب ترسيخ ممارسات قيادية قائمة على المشاركة والشفافية والمساءلة، وتطوير منظومة إشرافية قادرة على استشراف التحديات ومواكبة التحولات المعرفية والتقنية.

إنَّ ما تحقق في أولوية التعليم والتعلم والبحث العلمي والقدرات الوطنية يمثل رصيدًا مهمًا في مسيرة التنمية العُمانية، ويعكس أثر السياسات الوطنية وتكامل جهود المؤسسات والقيادات والكفاءات التربوية، وستظل القيمة الحقيقية لهذه المنجزات مرتبطة بقدرتها على إحداث تحسن مستدام في جودة التعليم وكفاءة المؤسسات وتنمية الإنسان.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z