نحو حماية الأشجار المعمّرة في ظفار

 

 

 

◄ صونٌ لإرث الطبيعة العُمانية واستدامةٌ للحياة في الغابات والمراعي

 

 

أحمد مسلم سوحلي جعبوب **

 

في محافظة ظفار، حيث تتعانق الجبال والغابات والمراعي الطبيعية، تقف الأشجار المعمّرة شاهدةً على تاريخ طويل من التكيّف مع البيئة، وتمثّل جزءًا أصيلًا من الهوية الطبيعية العُمانية. فهذه الأشجار، وفي مقدمتها التين البري والزيتون البري والتبلدي، ليست مجرد مكوّنات للغطاء النباتي، بل ثروة وطنية حية، ومصادر مهمة للبذور والتجدد الطبيعي، وموائل تحتضن طيفًا واسعًا من الكائنات الحية.

وانطلاقًا من أهمية هذه الثروة، تتواصل الجهود الميدانية التي تنفذها مبادرة وعي لصون الطبيعة، تحت إشراف هيئة البيئة وبالتعاون مع بلدية ظفار، بهدف حماية الأشجار المعمّرة والمحافظة على سلامتها، والحد من تدهورها، وتعزيز استمراريتها في موائلها الطبيعية بمختلف مناطق الغابات والمراعي في المحافظة.

وتأتي هذه الجهود استجابةً للتحديات التي تواجه بعض الأشجار، وفي مقدمتها حفّارات الساق، ومنها حفّار الساق المعروف محليًا بحفّار الساق، التي تتسبب في إضعاف الأنسجة الخشبية وإتلاف أجزاء من الجذوع والأغصان، إلى جانب النمل الأبيض وبعض الحشرات الأخرى التي قد تؤثر في الأجزاء الخشبية، ولا سيما الأشجار الضعيفة أو المتضررة. وتبرز هنا أهمية التدخل المبكر، والتشخيص الدقيق لمسببات الإصابة، واتخاذ الإجراءات المناسبة وفق طبيعة كل حالة، للحد من انتشار الآفات والمحافظة على صحة الأشجار وسلامة موائلها.

وتشمل أعمال العناية الميدانية تنظيف جذوع الأشجار، وإزالة الأجزاء الميتة والمصابة عند الحاجة، واستخدام المعالجات المناسبة، إلى جانب طلاء الأجزاء الملائمة من الجذوع بخليط زراعي من الجير المطفأ (النورة)، ضمن إجراءات العناية الوقائية بالأشجار وحمايتها من بعض التأثيرات البيئية، بما في ذلك التعرض المباشر لأشعة الشمس. ويُراعى في هذه الأعمال اختيار المواد وطرق استخدامها وفق الحالة الصحية لكل شجرة، مع تجنّب الإضرار بالأنسجة الحية أو التأثير في الكائنات النافعة.

ولا تقتصر أهمية هذه المبادرات على معالجة الأشجار المتضررة، بل تمتد إلى حماية أمهات الأشجار الوطنية المعمّرة، التي تمثّل ركيزة أساسية لاستمرار الأنواع النباتية وتجددها الطبيعي. فالأشجار الكبيرة التي بقيت صامدة في موائلها لعقود طويلة تحمل قيمة بيئية وتراثية استثنائية، وتسهم في إنتاج البذور، وتجديد الغطاء النباتي، وتوفير الظل والغذاء والمأوى للكائنات الحية، فضلًا عن دورها في حماية التربة والمحافظة على التوازن البيئي في الغابات والمراعي.

ومن هنا، فإن استمرار التعاون بين الجهات المعنية والمبادرات البيئية والمجتمع المحلي يمثّل خطوة مهمة نحو ترسيخ ثقافة صون الطبيعة، وتعزيز المسؤولية المشتركة تجاه هذه الثروة الوطنية. كما تبرز الحاجة إلى متابعة الأشجار بعد معالجتها، ورصد انتشار حفّارات الساق والنمل الأبيض والحشرات الأخرى، وتوثيق مواقع الأشجار المعمّرة وحالتها الصحية، والاستناد إلى التشخيص العلمي قبل تنفيذ أي برنامج للمكافحة، بما يضمن فاعلية الإجراءات وسلامة النظام البيئي.

إنَّ حماية الأشجار المعمّرة في ظفار ليست عملًا ميدانيًا عابرًا، بل مسؤولية بيئية ووطنية تتطلب الاستمرار والتخطيط والمتابعة. فكل شجرة معمّرة تُصان اليوم تمثّل فرصة لاستمرار الحياة النباتية غدًا، وكل جهد يُبذل لحماية أمهات الأشجار هو استثمار في مستقبل الغابات والمراعي، وفي بقاء الرموز النباتية العُمانية راسخةً في موائلها الطبيعية؛ فصون الأشجار المعمّرة هو صونٌ لذاكرة الأرض، وحمايةٌ للتنوع الأحيائي، وأمانةٌ طبيعية نحفظها للأجيال القادمة.

وفي الختام، نتقدّم بجزيل الشكر وعظيم التقدير إلى أبطال الميدان الذين يواصلون جهودهم تحت أشعة الشمس، وفي مختلف الظروف البيئية والميدانية، بإخلاصٍ وعزيمةٍ وإحساسٍ عالٍ بالمسؤولية الوطنية، من أجل حماية الأشجار المعمّرة وصون إرث ظفار الطبيعي. إن ما يبذلونه من عمل ميداني يستحق الإشادة والتقدير، فهم يؤدون رسالة بيئية نبيلة تتجاوز حدود العمل اليومي، لتجسّد الوفاء للوطن والمحافظة على ثرواته الطبيعية.

كما نثمّن جهود مبادرة وعي لصون الطبيعة، وهيئة البيئة، وبلدية ظفار، وكل من يساند هذه الأعمال ويسهم في استمرارها، تقديرًا لما تمثّله من تعاون وتكامل في خدمة البيئة العُمانية وحماية موروثها النباتي؛ فخلف كل شجرة تُحمى من التدهور، وكل غابة تحظى بالعناية، وكل موقع طبيعي تُصان أشجاره، تقف جهود مخلصة تستحق أن تُذكر وتُقدّر.

إن هؤلاء الرجال لا يعتنون بالأشجار فحسب، بل يحافظون على جذور الحياة في أرض ظفار، ويحرسون أمهات الأشجار التي تمثّل ذاكرة الطبيعة ورمز أصالتها، لتبقى شامخة في غاباتنا ومراعينا، وتواصل أداء دورها البيئي للأجيال القادمة.

كل التحية لأبطال الميدان، الذين يحوّلون حب الوطن إلى عمل، والانتماء إلى عطاء، والمسؤولية إلى إنجاز ملموس على أرض الواقع. فحماية الطبيعة عمل وطني عظيم، وثمرته إرث أخضر يبقى لنا ولأبنائنا من بعدنا.

** باحث في توصيف النباتات البرية

صور (10).jpeg
صور (8).jpeg
صور (9).jpeg
صور (6).jpeg
صور (7).jpeg
صور (4).jpeg
صور (5).jpeg
صور (3).jpeg
صور (2).jpeg
صور (1).jpeg
 

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z