ضمن أعمال ندوة "محافظة جنوب الباطنة في ذاكرة التاريخ العُماني"

11 ورقة علمية تكشف مكنونات الإرث التاريخي والاقتصادي والأثري في جنوب الباطنة

 

◄ تسليط الضوء على دور طرق القوافل في تشكيل الحركة الاقتصادية

◄ استعراض الأهمية التاريخية لدفاتر الأفلاج وتوزيع المياه وحصص الانتفاع بها

◄ تناول جهود الحفاظ على المواقع الأثرية وتوثيقها

◄ إبراز القيم العلمية للكتابات الصخرية في قرى محافظة جنوب الباطنة

◄ الوصايا الشرعية توثق تفاصيل الحياة الاجتماعية للسكان

◄ الجوامع والمدارس العلمية تجسد دور المؤسسات الدينية في ترسيخ الحراك الثقافي والتعليمي

 

الرؤية- مدرين المكتومية

تواصلت لليوم الثاني على التوالي بولاية الرستاق أعمال ندوة "محافظة جنوب الباطنة في ذاكرة التاريخ العُماني"، التي تنظمها هيئة الوثائق والمحفوظات الوطنية بالتنسيق مع محافظة جنوب الباطنة، خلال الفترة من 26 إلى 28 أكتوبر الجاري، بمشاركة نخبة من الأكاديميين والباحثين والمتخصصين في التاريخ والتراث العُماني.

وشهد اليوم الثاني عقد جلستين علميتين قُدّمت خلالهما 11 ورقة عمل وبحثًا علميًا، تناولت جوانب من التاريخ الاقتصادي والاجتماعي والعلمي والأثري للمحافظة، شملت طرق القوافل والحركة التجارية والأنظمة الجمركية، والوصايا الشرعية ودفاتر الأفلاج بوصفها مصادر للتاريخ الاجتماعي، إلى جانب المكتشفات الأثرية والنقوش الصخرية، ودور المؤسسات العلمية والتعليمية في تشكيل المشهد الحضاري لمحافظة جنوب الباطنة عبر مختلف العصور.

وقال سعادة الدكتور حمد الضوياني رئيس هيئة الوثائق والمحفوظات الوطنية، إن أوراق العمل تطوف بتاريخ محافظة جنوب الباطنة خلال العصور المختلفة وصولا إلى هذا العهد الزاهر الميمون بقيادة حضر صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم -حفظه الله- حيث تشهد المحافظة تنمية مزدهرة وحضارة مُمتدة لقرون عديدة.

وأشار إلى أنَّ الندوة ستخرج بمجموعة من الإصدارات لتكون لدى الهيئة إصدارات عديدة عن المحافظات، كما ستخرج الندوة بإصداريين سيطبعان لاحقاً لرفد المكتبات المحلية والعالمية، كما سيتم ترجمة هذه الإصدارات من اللغة العربية إلى لغات أخرى، للتعريف بتاريخ عمان وحضارتها، ونقل هذا التاريخ لمختلف المكتبات العالمية.

الجلسة العلمية الأولى

واستهلت أعمال اليوم الثاني بالجلسة العلمية الأولى، برئاسة الدكتور علي بن سعيد الريامي، وشهدت تقديم خمس أوراق عمل تناولت طرق القوافل والحركة التجارية والأنظمة الجمركية، والوصايا الشرعية ودفاتر الأفلاج، بوصفها مصادر تاريخية ووثائقية تسهم في الكشف عن جوانب من الحياة الاقتصادية والاجتماعية بمحافظة جنوب الباطنة.

واستهلت الجلسة بورقة علمية قدمها الدكتور سليم بن محمد الهنائي بعنوان "طرق القوافل في محافظة جنوب الباطنة وأثرها الاقتصادي: دراسة تاريخية جغرافية (القرن 10–14هـ / 16–20م)"، بهدف الكشف عن الدور المحوري الذي لعبته طرق القوافل في محافظة جنوب الباطنة في تشكيل الحركة الاقتصادية خلال الفترة من القرن العاشر إلى الرابع عشر الهجري، وتتبع تطور شبكة الطرق ومساراتها الرئيسية والفرعية، وتحليل العوامل الجغرافية المؤثرة في تحديد مساراتها، وتوثيق أنواع السلع المتبادلة عبرها، وإبراز دورها في التكامل الاقتصادي بين المناطق الساحلية والداخلية.

وفي الورقة الثانية، تناولت الدكتورة أمل بنت سيف الخنصوري موضوع "الفرضة ونظام الجمارك في ولايتي بركاء والمصنعة في النصف الثاني من القرن العشرين"، مستعرضة جوانب من التاريخ الاقتصادي لساحل جنوب الباطنة، وطبيعة النشاط التجاري في فرضتَي بركاء والمصنعة، والإجراءات الجمركية التي نظّمت حركة البضائع والواردات والصادرات خلال تلك الفترة.

وسلطت الدراسة الضوء على دور التجار المحليين وعلاقاتهم التجارية مع التجار الهنود البانيان، وأهمية الموانئ الساحلية في ربط الأسواق العُمانية بالتجارة الخارجية، إلى جانب التدابير الحكومية المنظمة للنشاط التجاري، استنادًا إلى المصادر التاريخية والتقارير والوثائق التي توثّق الأوضاع الاقتصادية في الولايتين.

وانتقلت الجلسة إلى استعراض أهمية الوثائق الشرعية في كتابة التاريخ الاجتماعي، من خلال ورقة قدمها الدكتور ناصر بن سيف السعدي بعنوان "الوصايا الشرعية والتاريخ الاجتماعي لجنوب الباطنة: قراءة في وصية سلطان بن مسعود ابن شاذان"، تناولت الوصايا الشرعية بوصفها مصادر تاريخية تتجاوز الأحكام الفقهية إلى الكشف عن العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والملكية وتوزيع الثروات. وتحتوي الخزائن الُعُمانية على كم من الوصايا التاريخية التي تعود إما لشخصيات نافذة أو لعموم المجتمع، نساء ورجالا، كما تزخر ولايات وقرى محافظة جنوب الباطنة بالعديد من الوصايا الشرعية، ومن ذلك وصية تنتمي إلى شخصية نافذة في ولاية نخل، وهي وصية المخدوم الأعظم سلطان بن مسعود بن سلطان بن عدي بن شاذان، ويشير نص الوصية إلى علاقات هذه الشخصية الواسعة والممتدة بين جنوب الباطنة وشمالها وداخلية عمان.

وفي جانب التاريخ الاجتماعي المرتبط بالموارد المائية، قدمت الدكتورة خلود بنت حمدان الخاطرية ورقة بعنوان "دفاتر الأفلاج مصدرًا لتاريخ الحياة الاجتماعية في مدينة الرستاق: دفتر فلج الميسر (1219هـ/1804م) أنموذجًا"، تناولت الأهمية التاريخية لدفاتر الأفلاج، التي لم تقتصر وظيفتها على تنظيم توزيع المياه وحصص الانتفاع بها، بل امتدت إلى توثيق جوانب متعددة من الحياة الاجتماعية والاقتصادية للمجتمعات العُمانية.

واستعرضت الدراسة مضامين دفتر فلج الميسر بمدينة الرستاق، وما يحفظه من معلومات ومصطلحات مرتبطة بإدارة المياه وتنظيم الانتفاع بها، إلى جانب ما يعكسه من علاقات وممارسات اجتماعية، بما يسهم في إعادة قراءة ملامح الحياة اليومية للمجتمع الرستاقي مطلع القرن التاسع عشر الميلادي، وإبراز أهمية هذه السجلات بوصفها مصادر أصيلة للتاريخ المحلي.

واختتمت أوراق الجلسة الأولى بورقة قدمها الأزهر بن يوسف الراشدي بعنوان "القواعد الحاكمة للتوثيق في نسخ الأفلاج العُمانية: دراسة تأصيلية تطبيقية – نسخة فلج العوابي أنموذجًا"، تناولت الأهمية التاريخية والقانونية لنسخ الأفلاج العُمانية، بوصفها سجلات وثائقية أسهمت في تنظيم حقوق المياه والملكية والتصرف في حصص الأفلاج، وضبط العلاقات الاقتصادية والاجتماعية المرتبطة بها.

وتناولت الورقة القواعد الفقهية والإجرائية التي حكمت عمليات التوثيق والتسجيل والتقسيم والتصرف في المياه، متخذة من نسخة فلج العوابي نموذجًا تطبيقيًا للكشف عن طبيعة هذه القواعد وآليات العمل بها، مع إبراز دور نسخ الأفلاج في حفظ الحقوق وتنظيم الإدارة المجتمعية للموارد المائية، وأهميتها في دراسة التاريخ الاجتماعي والاقتصادي والقانوني في سلطنة عُمان.

الجلسة العلمية الثانية

وتواصل البرنامج العلمي بعقد الجلسة الثانية برئاسة الدكتور موسى بن سالم البراشدي، التي شهدت تقديم ست أوراق عمل تناولت جهود التنقيب الأثري، والكتابات والفنون الصخرية، وشواهد الاستيطان البشري القديم، إلى جانب الأدوار الثقافية والاجتماعية للمؤسسات الدينية والتعليمية في محافظة جنوب الباطنة.

واستهلت الجلسة بورقة قدمتها هدى بنت مصبح الديهني بعنوان "جهود وزارة التراث والسياحة في التنقيبات والدراسات الأثرية بمحافظة جنوب الباطنة: موقع حي السرح أنموذجًا"، استعرضت خلالها جهود الوزارة في حماية المواقع الأثرية وتوثيقها ودراستها، وأعمال المسوحات والتنقيبات الأثرية والحفريات الإنقاذية.

وتناولت الورقة موقع حي السرح نموذجًا للدراسات الميدانية، وأهمية المكتشفات واللقى الأثرية في فهم طبيعة الاستيطان والأنشطة البشرية، ودور البحث الأثري في إعادة بناء جوانب من التاريخ العُماني، وصون الشواهد المادية وتعزيز قيمتها الثقافية والسياحية.

وفي ورقة بعنوان "الكتابات الصخرية وأهميتها كمصدر تاريخي لمحافظة جنوب الباطنة"، استعرض الأستاذ الدكتور سعيد بن محمد الهاشمي القيمة التاريخية للكتابات والنقوش الصخرية المنتشرة في أودية المحافظة، بوصفها مصادر أصيلة تحفظ جوانب من حياة الإنسان العُماني ومعتقداته وتفاعله مع بيئته عبر العصور، حيث ذكر في دراسته " تنتشر الكتابات الصخرية في ربوعُ عُمان بخطوط عربية مختلفة، وتعد ذات أهمية تاريخية.

ولقد تفاعل الإنسان الُعُماني مع الطبيعة، فنقش كثيرا من أحداث يومه، ومعتقداته، فرسم صورة حيوانات وأفاعي، والشمس والقمر، ورسم الإنسان نفسه، وسجل أحداث سياسية واقتصادية واجتماعية، وأحداث المناخ وغيرها على صخور، أو قبور، ومساجد، وأبواب فضلا عن الورق كل ذلك لتخليد نشاطه الفكري، يقدمها إلى أحفاده والأجيال. ومهما كان نوع الكتابات الصخرية فإنها تعتبر ذات أهمية بالغة لعلم التاريخ، خاصة في غياب الوثائق والمصادر الأخرى، حيث تهدف هذه الدراسة إلى إبراز القيم العلمية للكتابات الصخرية في بعض قرى محافظة جنوب الباطنة، ومجالات هذه الكتابة وتصنيفها.

كما قدمت الدكتور أحمد فاطمة كزو ورقة بعنوان "إضاءة على آثار الألف الثاني قبل الميلاد في محافظة جنوب الباطنة"، استعرضت نتائج المسوحات والتنقيبات الأثرية التي أجرتها جامعة روما سابينزا خلال الفترة من 2022 إلى 2024م، وأسهمت في تحديد مواقع ومعالم أثرية لم تكن مدرجة سابقًا ضمن الخريطة الأثرية للمحافظة.

وسلطت الورقة الضوء على مواقع في العوابي والمهايل وخطم ونخل ووادي المعاول، تضم مدافن حجرية وبقايا استيطان بشري وآثار أنشطة تعدينية، إلى جانب كسر فخارية وأساسات مبانٍ ومخلفات تعدين، بما يقدم شواهد مهمة لفهم أنماط الحياة والاستيطان والأنشطة الاقتصادية في جنوب الباطنة خلال الألف الثاني قبل الميلاد.

وفي جانب الفنون والكتابات القديمة، قدم حارث بن سيف الخروصي ورقة بعنوان "الفنون الصخرية في محافظة جنوب الباطنة: أبجدية وادي السحتن الأبجدية العُمانية المبكرة"، تناولت الأهمية التاريخية للنقوش والفنون الصخرية بوصفها من الشواهد المبكرة على التدوين والتعبير الإنساني في المنطقة.

واستعرضت الورقة نقوش وادي السحتن ودلالاتها اللغوية والتاريخية، إلى جانب النقوش الحجرية والبرونزية والرسوم الصخرية المرتبطة بمراحل حضارية مختلفة، مع إبراز أهمية المسوحات الميدانية والتوثيق الفوتوغرافي والتحليل الفني في حفظ هذه الشواهد، ودورها في إثراء الدراسات المتعلقة بتاريخ الكتابة والتواصل الإنساني في سلطنة عُمان.

وانتقلت الجلسة إلى استعراض التاريخ الثقافي والاجتماعي للمؤسسات الدينية، من خلال ورقة قدمتها الدكتورة سامية بنت محمد البحري بعنوان "جامع العلاية بالرستاق: أربعة قرون من العطاء الحضاري – قراءة في الأدوار الثقافية والاجتماعية من خلال التاريخ المروي".

وتناولت الورقة المسيرة التاريخية لجامع العلاية بولاية الرستاق، الذي امتد دوره قرابة أربعة قرون، بوصفه مركزًا للتعليم والإشعاع الثقافي منذ عهد اليعاربة، مع إبراز إسهاماته في نشر العلم وتعزيز المشاركة المجتمعية.

كما سلطت الضوء على دور المرأة العُمانية في تشييد الجامع، من خلال نقل المواد والأحجار والمشاركة في توفير الدعم، وصولًا إلى الوقف النسائي لصالحه، إلى جانب دور العلماء والمشايخ والروايات الشفوية في توثيق تاريخه ومكانته الاجتماعية والثقافية.

واختتمت أوراق الجلسة الثانية بورقة قدمها الدكتور هيثم بن أحمد السالمي بعنوان "مدرسة جامع البياضة وأثرها في الحراك العلمي العُماني (1880–1980م): دراسة تاريخية توثيقية"، تناولت قرنًا من النشاط العلمي والتعليمي بولاية الرستاق، ودور المدرسة في إعداد أجيال من العلماء وطلبة العلم.

واستعرضت الورقة الجذور التاريخية للمدرسة وامتدادها من مدرسة مسجد قصرى العريقة، وإسهامات العلماء والمشايخ في نشر المعرفة، إلى جانب دور الأوقاف التعليمية ونظام "وقف المتعلمين" في دعم طلبة العلم واستدامة النشاط العلمي، بما يعكس أهمية التكافل المجتمعي في ترسيخ التعليم والحفاظ على المؤسسات المعرفية العُمانية.

وتختتم، اليوم الأربعاء، أعمال الندوة بعقد جلستين علميتين تتناولان موضوعات تاريخية وثقافية وعلمية ووثائقية، تشمل حضور الرستاق في الذاكرة الشعرية العُمانية، والخصائص اللغوية للهجات جنوب الباطنة، وتمثلات المكان في التراجم الأدبية، والمواقع والشخصيات العُمانية المدرجة في المنظمات الإقليمية والدولية، وإمكانات توظيف الحارات التاريخية في السياحة التراثية.

كما تستعرض أوراق اليوم الختامي حضور المحافظة في الصحافة العُمانية، وحركة نسخ المخطوطات، والحراك العلمي في ولاية وادي المعاول، وإسهامات المرأة في مجال الوقف ودورها الحضاري، على أن يُختتم البرنامج بحفل ختام الندوة.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z