عيسى بن سالم الريامي **
لم يعد التحول الرقمي في القطاع المصرفي مجرد وسيلة لتسريع المُعاملات وتطوير الخدمات، بل أصبح تحولًا أعمق يمس أساليب الإدارة واتخاذ القرار والرقابة المؤسسية. وفي ظل هذا التطور، يبرز تساؤل مهم أمام الصناعة المصرفية الإسلامية: هل تواكب منظومة الحوكمة والرقابة الشرعية هذا التحول بالقدر الذي يضمن سلامة الممارسة المصرفية وكفاءة الأداء واستدامته؟
ويأتي هذا التساؤل في سياق استشراف مستقبل الحوكمة الشرعية في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العمل المصرفي؛ فالتحدي اليوم لم يعد مقتصرًا على بيان الأحكام الشرعية للمنتجات والعقود، بل امتد إلى ضمان ترجمة هذه الأحكام إلى ممارسات وإجراءات صحيحة في بيئة مصرفية تتزايد فيها العمليات الآلية والتعقيدات التقنية والقانونية.
وقد تعزز لدي هذا التصور من خلال تجربة بحثية حديثة تناولت فيها الحوكمة المؤسسية الرقمية وعلاقتها بالأداء التنظيمي المستدام في البنوك الإسلامية، ضمن رسالة الماجستير. وقد قادتني هذه التجربة، إلى جانب الممارسة المهنية، إلى التأمل في سؤال أوسع: كيف يمكن الاستفادة من التحول الرقمي ليس فقط في تطوير الخدمات المصرفية، وإنما أيضًا في تعزيز فاعلية الحوكمة والرقابة الشرعية؟
فالرقابة الشرعية لا تبدأ بعد تنفيذ المعاملة، بل قبل ذلك بكثير؛ من دراسة المنتجات والمسائل المستجدة، وعرضها على هيئات الرقابة الشرعية، وإصدار الأحكام والضوابط والشروط التي تحكم التطبيق، ثم متابعة الالتزام بها. وما يتيحه التحول الرقمي اليوم هو فرصة لتعزيز هذه المنظومة، من خلال تحويل الضوابط الشرعية التي تقبل البرمجة إلى قواعد مدمجة في الأنظمة المصرفية نفسها، بحيث تساعد على منع الإجراء غير المتوافق قبل اكتماله، بدل الاكتفاء باكتشافه عند المراجعة اللاحقة.
ولنأخذ التمويل بالمرابحة مثالًا؛ فمن متطلباته الشرعية تملك المصرف للسلعة قبل بيعها للعميل، ومن الممكن أن تتضمن الأنظمة المصرفية ضوابط إلكترونية تمنع إبرام عقد بيع المرابحة قبل استيفاء المتطلبات المحددة للتملك والحيازة المعتبرة شرعًا. وكذلك الحال في الإجارة، حيث يمكن تصميم ضوابط تساعد على التحقق من توزيع الالتزامات بين المؤجر والمستأجر بما يتوافق مع العقود والقرارات الشرعية المعتمدة.
وهذا يقود إلى مفهوم يمكن التعبير عنه بـ «الامتثال الشرعي المدمج في الأنظمة»؛ أي أن تصبح الضوابط الشرعية التي يمكن تحويلها إلى قواعد إجرائية جزءًا من دورة العمل نفسها، بدل الاعتماد على اكتشاف التجاوز بعد اكتمال المعاملة. ولا يعني ذلك بالطبع إحلال التقنية محل الاجتهاد الفقهي أو التقدير المهني للمختصين الشرعيين، وإنما توظيف التقنية في تعزيز سلامة التطبيق وتقليل احتمالات الخطأ.
غير أن رقمنة الرقابة الشرعية، على أهميتها، لا تكفي وحدها. فالنظام الإلكتروني يستطيع تنفيذ الضابط الذي يوضع فيه، لكن جودة ذلك الضابط تظل مرتبطة بدقة فهم الواقع الذي سيُطبق عليه. وهنا يظهر تحدٍّ أعمق يتمثل في الحاجة إلى تعزيز الربط بين التأصيل الشرعي والمعرفة الدقيقة بالواقع المصرفي الذي تُطبق فيه الأحكام.
فقد يكون الحكم الشرعي واضحًا، والمعيار محددًا، ولكن التحدي الحقيقي يظهر أحيانًا عند الانتقال من الحكم العام إلى التفاصيل التنفيذية: كيف تعمل الأنظمة المصرفية؟ وما طبيعة الخدمة التي يقدمها المصرف وتكلفتها الفعلية؟ وما الآثار القانونية والمحاسبية المترتبة على تطبيق قرار معين؟ وهل البديل المقترح قابل للتطبيق عمليًا؟ وما النتائج التي قد تترتب عليه بعد تنفيذه؟
ومن خلال الممارسة المهنية، يتبين أن بعض القضايا التي تواجه المؤسسات المالية الإسلامية لا تحتاج إلى مزيد من التأصيل الفقهي وحده، بقدر ما تحتاج إلى دراسات تطبيقية متعددة التخصصات تجمع بين المعرفة الشرعية والخبرة المصرفية والاقتصادية والقانونية والمحاسبية والتقنية؛ فدراسة الرسوم المصرفية، مثلًا، لا تكتمل بالنظر إلى الحكم الشرعي المجرد، وإنما تحتاج إلى فهم طبيعة الخدمة ومكوناتها التشغيلية وتكلفتها الفعلية والأساس الذي بُني عليه الرسم. كما أن معالجة التمويلات المتعثرة وإعادة هيكلتها تستلزم الجمع بين معرفة الأحكام الشرعية المنظمة لها واستيعاب الآثار المالية والقانونية والمحاسبية للبدائل المتاحة.
وهنا، في تقديري، نصل إلى جانب يستحق مزيدًا من الاهتمام: البحث المؤسسي في المالية الإسلامية.
ولدينا- بحمد الله- تراكم معتبر في التأصيل الشرعي والمعايير والقرارات والفتاوى والخبرات المصرفية، ولكن تطور الصناعة وتعقيد منتجاتها وبيئتها التشغيلية يفرضان الحاجة إلى تعزيز هذا الرصيد ببحوث تطبيقية منظمة تساعد متخذي القرار على فهم الواقع كما هو، وتحليل الخيارات المتاحة، وتقدير آثارها قبل اتخاذ القرار وبعد تطبيقه.
والحوكمة الشرعية في البيئة المصرفية الحديثة لا تبدأ من النظام الإلكتروني ولا تنتهي عند الفتوى، وإنما تقوم على سلسلة مترابطة: فهم دقيق للواقع، وتأصيل شرعي سليم، وتحويل الحكم إلى إجراءات قابلة للتطبيق، ثم متابعة التطبيق وقياس أثره في الواقع العملي.
ومن هنا أرى أن الوقت قد يكون مناسبًا للنظر في إنشاء مركز عُماني متخصص للدراسات والبحوث التطبيقية في المالية الإسلامية، يعمل تحت مظلة الهيئة العليا للرقابة الشرعية لدى البنك المركزي العُماني، أو ضمن إطار مؤسسي مناسب بالتنسيق مع البنك المركزي وجمعية المصارف العُمانية، ليكون ذراعًا بحثية مساندة لصناعة القرار الشرعي والتنظيمي في القطاع.
ويُتصور دور هذا المركز بوصفه جهة بحثية داعمة للجهات الشرعية والتنظيمية القائمة دون أن يمس اختصاصاتها في الفتوى أو الرقابة، بحيث يتولى إعداد الدراسات التطبيقية والتحليلات اللازمة لفهم القضايا المصرفية المعاصرة، وتقييم البدائل، ودراسة الآثار المتوقعة للقرارات قبل اعتمادها، ومتابعة آثارها بعد التطبيق. كما يمكن أن يجمع هذا الإطار البحثي متخصصين في الشريعة والاقتصاد والقانون والمحاسبة والتقنية، وأن يستفيد من التعاون مع المؤسسات المصرفية والجامعات ومراكز البحث العلمي. وهذا التكامل مهم؛ لأن كثيرًا من المسائل المعاصرة لم تعد أحادية البعد، بل تتداخل فيها الاعتبارات الشرعية مع الجوانب القانونية والاقتصادية والمحاسبية والتقنية.
ويمكن أن تمتد الدراسات التطبيقية إلى موضوعات تمس واقع الصناعة بصورة مباشرة؛ مثل تكاليف الخدمات والمعاملات المصرفية، والتعثر وإعادة الهيكلة، وتطوير المنتجات التمويلية، والتحديات العملية المرتبطة بتطبيق المعايير الشرعية والمحاسبية، إضافة إلى التقنيات المالية الحديثة وفرص الاستفادة منها في تعزيز الحوكمة والامتثال الشرعي.
ولا تقتصر قيمة مثل هذا التوجه على معالجة الإشكالات القائمة، بل يمكن أن يسهم أيضًا في بناء ذاكرة معرفية مؤسسية للصناعة المصرفية الإسلامية في سلطنة عُمان، بحيث تتراكم الدراسات والخبرات والتجارب، ويصبح بالإمكان الاستفادة منها عند دراسة قضايا مماثلة أو تطوير سياسات ومنتجات جديدة.
ويكتسب هذا التوجه أهمية إضافية في ضوء مستهدفات رؤية "عُمان 2040" في مجالات الحوكمة والكفاءة المؤسسية والاقتصاد القائم على المعرفة؛ فبناء قاعدة معرفية وطنية متخصصة في المالية الإسلامية يمكن أن يعزز قدرة القطاع على التعامل مع المتغيرات المستقبلية، ويربط البحث العلمي بصورة أوثق باحتياجات الممارسة المصرفية.
إنَّ استدامة المصرفية الإسلامية لا تُقاس فقط بنمو أصولها أو تنوع منتجاتها أو سرعة خدماتها، وإنما كذلك بقدرتها على المحافظة على سلامة ممارساتها وخصوصيتها الشرعية في بيئة مالية وتقنية سريعة التغير. ومن هنا، فإن تطوير الرقابة الرقمية وبناء القدرات البحثية التطبيقية ليسا مسارين منفصلين، بل عنصران متكاملان في تطوير منظومة الحوكمة الشرعية؛ فالتقنية يمكن أن تساعدنا على ضبط التطبيق، بينما يساعدنا البحث التطبيقي على فهم الواقع الذي نبني عليه الضابط والقرار. وكلما تحسن فهم الواقع، ارتفعت جودة القرار، وكلما أمكن تحويل القرار إلى إجراءات واضحة وقابلة للتطبيق، ازدادت فاعلية الرقابة.
والتحدي الحقيقي لا يقتصر على كيفية اكتشاف المخالفة الشرعية بعد وقوعها، أو توظيف التقنية للحد منها، وإنما يمتد إلى سؤال أكثر عمقًا: كيف نبني منظومة مؤسسية تنتج المعرفة اللازمة لاتخاذ القرار الشرعي، وتختبر قابليته للتطبيق، وتتابع أثره في الواقع العملي؟
ومستقبل الحوكمة الشرعية يتطلب تكاملًا أكبر بين الاجتهاد الفقهي والبحث العلمي والخبرة المصرفية والتقنية؛ فكلما كان تصور الواقع أدق، كان القرار أكثر قدرة على تحقيق مقاصده، وكانت الممارسة المصرفية أكثر كفاءة واستدامة.
وأخيرًا.. إنَّ المصرفية الإسلامية، بعد أن رسخت مرجعيتها الشرعية، مدعوة اليوم إلى تعزيز بنيتها البحثية والتطبيقية؛ لأن جودة القرار الشرعي تبدأ من دقة تصور الواقع، وفاعلية الرقابة تبدأ من جودة تصميم الضوابط، واستدامة الالتزام تبدأ من سلامة التطبيق.
** رئيس إدارة الالتزام والتدقيق الشرعي ببنك العز الإسلامي
