علي بن محمد بن جمعة اللواتي
من خلال عملي في التطوير العقاري، التقيت عددًا من الأوروبيين المُقيمين في سلطنة عُمان، وكانت انطباعاتهم عن الحياة فيها إيجابية للغاية، لكن ما استوقفني هو تأكيدهم وجود فجوة بين ما تتمتع به السلطنة من مقومات للعيش ومدى معرفة النَّاس بها في الخارج. وقد وجدت في أحاديثهم ما يدعو إلى التأمل: تجربة يقدّرها من يعيشها، لكنها لم تصل بالوضوح نفسه إلى كثيرين ممن قد يجدون فيها ما يبحثون عنه.
وتطرح هذه اللقاءات سؤالًا مهمًا: كيف نجعل تجربة المُقيمين جسرًا لتعريف مزيد من الأسر بالحياة في السلطنة؟ فشهادة من اختار المكان وعاش فيه تضفي على الحديث عن جاذبيته مصداقية، وتحوّل المقومات العامة إلى صورة ملموسة لحياة يستطيع الآخرون تخيلها لأنفسهم.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية مبادرة «عيش عُمان» التي تقودها وزارة الإسكان والتخطيط العمراني، وتقدم السلطنة وجهةً للعيش والعمل والاستثمار. وقد استضافت لندن فعاليات المبادرة من 21 سبتمبر إلى 4 أكتوبر 2026، بمشاركة مطورين عُمانيين، بهدف توسيع قاعدة المشترين الدوليين والتعريف بمقومات الحياة في السلطنة. وتتيح هذه الجهود فرصة لتقليص الفجوة بين مقومات المكان والوعي بها، فيما يمكن لشهادات المقيمين وتجارب أسرهم أن تعمّق أثر المبادرة وتمنح رسالتها بُعدًا شخصيًا أقرب إلى الجمهور.
غير أن الترويج، مهما اتسع، يصنع الاهتمام ولا يكفي وحده لتحويله إلى قرار. فجاذبية المكان تتعزز حين يجد القادم حياةً تناسبه، ويطمئن إلى أنها قريبة مما تصوّره. ومن هنا يبرز عاملان متكاملان: بناء أسباب الإقامة مع التوسع في عدد الوحدات، وترسيخ الثقة في تجربة العيش نفسها.
بناء أسباب الإقامة
يبدأ الطلب المستدام بسؤال: لماذا سيأتي النَّاس إلى هذا المكان، ولماذا سيبقون فيه أو يعودون إليه؟ وفي حالة عُمان، يتجاوز السؤال توافر المدارس والرعاية الصحية والخدمات اليومية إلى ما يجعل القادم يختار السلطنة من بين وجهات أخرى. فالمقومات الموجودة تحتاج إلى أن ترتبط بحياة يستطيع أن يتصورها لنفسه وأسرته، وأن يجد فيها سببًا للبقاء أو العودة المنتظمة.
أول هذه الأسباب وجود ما يدعم حياته الاقتصادية ويمنح يومه معنى. فمن يعتمد على دخله المهني يحتاج إلى فرصة عمل أو إمكانية إدارة نشاطه من السلطنة. أما المتقاعد أو صاحب الدخل المستقل، فقد يبحث عن أنشطة وعلاقات تمنحه حياة ممتعة ومستقرة. وتختلف احتياجات هؤلاء عن احتياجات الأسرة التي تملك منزلًا موسميًا وتعود إليه عدة مرات في السنة. ولكل نمط من هذه الأنماط قيمته؛ والمهم أن نفهم ما يدفع أصحابه إلى استخدام العقار والاستمرار في الارتباط بالمكان.
والعامل الثاني حيوية المجتمع المحيط بالمسكن. فالقادم يريد أن يجد جيرانًا، ومتاجر ومرافق تنبض بالحياة، وأماكن للقاء وأنشطة تناسبه. وهذه الحيوية يمكن أن تجتمع مع الهدوء والخصوصية اللذين يجذبان كثيرين إلى عُمان. لكنها تضعف عندما تبقى أعداد كبيرة من الوحدات مُغلقة لفترات طويلة، فتخفت الحركة التي تحتاج إليها هذه المرافق لتستمر. ومن هنا، فإنَّ الإشغال الفعلي واستمرار الاستخدام، إلى جانب المبيعات، يكشفان قدرة المشروع على بناء مجتمع يجذب سكانًا جددًا. ويهم ذلك المستثمر أيضًا؛ فحتى من لا ينوي الإقامة يعتمد في دخله الإيجاري على شخص يرغب في السكن، وحين يضعف الطلب على الاستخدام، تصبح توقعات العائد وإعادة البيع أكثر اعتمادًا على استمرار دخول مشترين جدد.
والعامل الثالث سهولة ترتيب الحياة في بلد جديد. فالأسرة تحتاج إلى فهم خيارات الإقامة، ومتطلبات فتح الحساب المصرفي، وإجراءات المعاملات اليومية، والخيارات المُتاحة لأفرادها للعمل أو الدراسة. وقد تكون هذه الخدمات متاحة، لكن تيسير الوصول إليها وتوضيح إجراءاتها وتكاليفها يساعدان الأسرة على اتخاذ القرار؛ فكلما استطاع القادم معرفة ما يتطلبه انتقاله، أصبح أكثر قدرة على التخطيط والاطمئنان إلى اختياره.
ويرتبط بذلك عامل رابع هو سهولة الاتصال بالعالم. فمن يعيش بين بلدين، أو يدير أعمالًا في الخارج، أو يريد البقاء قريبًا من أسرته، ينظر إلى الرحلات المتاحة وتكلفتها وانتظامها. وقد يعجبه المسكن والمكان، لكن مشقة الوصول تؤثر في عدد زياراته ومدة بقائه.
الجاليات.. شريك في جاذبية المكان
ومن أسباب الإقامة التي تستحق اهتمامًا أكبر وجود جاليات يشعر القادم من خلالها بالألفة والانتماء؛ فالانتقال إلى بلد جديد يتضمن أسئلة اجتماعية وعاطفية بقدر ما يتضمن حسابات مالية: هل ستجد الأسرة أصدقاء؟ وهل سيشعر الأبناء بالارتياح؟ ومن يُساعدها على فهم تفاصيل الحياة في الأشهر الأولى؟ ووجود أقارب أو معارف أو شبكة اجتماعية مرحّبة قد يختصر مسافة التردد، وتزداد قوة هذا الارتباط عندما تمتد علاقات القادم إلى المجتمع المحلي، فيشعر بأنه جزء من حياة المكان.
ويبدو لي، مما أسمعه في أحاديث بعض المهاجرين العرب وأبناء الشرق الأوسط عمومًا، أن الاهتمام بالعودة إلى المنطقة أو قضاء جزء من الحياة فيها يتزايد، وأن سلطنة عُمان تبرز ضمن الخيارات المطروحة. والعودة هنا لا تعني بالضرورة الاستقرار في بلد المنشأ؛ فقد تبحث الأسرة عن مكان يجمع القرب من ثقافتها ومحيطها الاجتماعي مع الطمأنينة وجودة الحياة التي تتطلع إليها.
وهذا الاهتمام يستحق عملًا منظمًا، يبدأ بتقييم تجربة الأسر التي اختارت السلطنة من منظورها هي: ما الذي شجعها؟ وما الذي صعّب استقرارها؟ وما الذي تحتاج إليه لتوصي غيرها بخوض التجربة؟ فالإصغاء إليها يكشف تفاصيل قد تغيب عن الخطط والحملات، ويتيح تحسين الخدمات وإشراك أفراد الجاليات في تطوير التجربة والتعريف بها.
ويمكن تعزيز أثر «عيش عُمان» بإتاحة مساحة لهذه الجاليات للمبادرة والمشاركة في استقطاب أسر جديدة، بالتعاون مع الجهات المعنية بالإقامة والاستثمار والسياحة، ومقدمي خدمات التعليم والصحة، والمطورين. ويشمل ذلك تنظيم اللقاءات والزيارات، وتوفير معلومات واضحة، ومساعدة الأسر على التعرف إلى خياراتها وبناء علاقات تسهّل استقرارها. وقد تبدأ الصلة بالبلد بزيارة صديق، ثم تتطور إلى زيارات متكررة، فإقامة أطول، وربما تملّك أو استثمار.
والمطلوب أن يتولد من تجارب المقيمين زخم إيجابي وحديث متداول عن عُمان بوصفها وجهة مرغوبة للعيش والاستقرار. ويمكن توسيع أثر هذه التجارب بخطة تسويقية متعددة اللغات، تخاطب كل جمهور بالأسئلة التي تشغله؛ فما يهم متقاعدًا يفكر في الانتقال قد يختلف عما يهم أسرة مهاجرة تبحث عن مكان قريب من ثقافتها. ولذلك، يتطلب الأمر محتوى يتجاوز الترجمة إلى فهم دوافع الجمهور، ويستند ما أمكن إلى أصوات مقيمين يروون تجاربهم بلغته. وحين تصل قصص الأسر عبر علاقاتها والمنصات الإعلامية، فإنها تمنح الحملات مصداقية وتجسّد ما تعنيه الحياة في السلطنة. وهكذا يصبح رضا المقيمين مصدرًا لسمعة تتسع تدريجيًا، وتفتح الباب أمام أسر جديدة.
الثقة في تجربة العيش
وكما يحتاج القادم إلى أسباب تدفعه إلى اختيار المكان، يحتاج إلى الثقة بأن الحياة التي يتصورها فيه قريبة مما سيجده فعلًا. فالأسرة التي تفكر في الانتقال تعيد ترتيب عملها وتعليم أبنائها وعلاقاتها ونفقاتها، وقد تتخلى عن حياة اعتادتها. ولذلك، فإن قرارها يتأثر بمدى قدرتها على فهم ما ينتظرها والاطمئنان إلى إمكان بناء حياة مستقرة فيه.
وتبدأ هذه الثقة بواقعية الصورة المقدمة عن البلد. فلكل وجهة مزاياها وتحدياتها، وما يناسب أسرة قد لا يناسب أخرى. ومن يفكر في الإقامة يحتاج إلى معرفة تفاصيل الحياة خلال العام، بما فيها المناخ، والتنقل، وكلفة المعيشة، وطبيعة الأنشطة المتاحة. وكلما كانت الصورة واقعية، استطاع القادم أن يختار على أساس أقرب إلى احتياجاته، وضاقت الفجوة بين توقعاته وتجربته.
وتتعزز الثقة عندما تتسق المعلومات التي يتلقاها من الجهات المختلفة. فقد يبدأ المهتم من حملة ترويجية، ثم يتواصل مع مُطوِّر أو جهة مختصة بالإقامة أو مدرسة أو مصرف. وإذا وجد إجابات متعارضة، أو وعودًا لا يعرف من يتولى تنفيذها، أصبح أكثر ترددًا. ومن هنا تأتي قيمة مرجعية واضحة للمعلومات. ويمكن لمبادرة «عيش عُمان» أن تؤدي هذا الدور، بأن تكون بوابة واحدة متعددة اللغات تُحدَّث باستمرار، وتربط المهتم بالجهة القادرة على الإجابة عن حالته، وتوضح ما هو متاح وما يخضع لشروط أو موافقات.
كما تحتاج الأسرة إلى وضوح يتيح لها التخطيط للمستقبل. فالقرار يزداد صعوبة حين تكون كلفة الحياة أو شروط استمرار الإقامة أو الخيارات المتاحة لأفرادها ملتبسة. ولا يعني الاطمئنان أن تبقى الظروف ثابتة إلى الأبد، وإنما أن تفهم الأسرة القواعد التي ستبني عليها حياتها، وأن يصلها ما يطرأ عليها من تغييرات بوضوح وفي وقت يسمح لها بالتكيف.
من الاهتمام إلى الاستقرار
تتيح مبادرة «عيش عُمان» فرصة لجمع هذه العناصر في مسار مترابط: يتعرف المهتم إلى السلطنة، ويحصل على معلومات تناسب احتياجاته، ويزورها، ويختار المسكن والخدمات، ثم يجد ما يساعده على الاستقرار. وكل انتقال بين هذه المراحل يحتاج إلى متابعة وتحديد واضح للمسؤوليات، حتى يجد الاهتمام الذي تصنعه الحملة طريقه إلى قرار قابل للتنفيذ.
وحين تتكامل أسباب الإقامة مع الثقة، تتسع فرصة بناء ارتباط طويل بالمكان، يمتد أثره اقتصاديًا واجتماعيًا. فالمالك الذي يقيم أو يعود بانتظام ينفق على المتاجر والخدمات والأنشطة، والمستأجر الذي يرتاح إلى المكان يجد سببًا لتجديد عقده، والأسرة التي تنجح تجربتها تنقلها إلى محيطها.
ولهذا، ينبغي أن تمتد مؤشرات النجاح إلى ما بعد حجم الوصول الإعلامي وقيمة المبيعات؛ فتشمل عدد الزيارات التي تحولت إلى إقامة، ونسب الإشغال، ومدة البقاء، ورضا الأسر، ومدى استعدادها لتوصية غيرها باختيار السلطنة. فهذه المؤشرات تكشف أثر الجهود الترويجية، وتساعد على تطوير الخدمات وتوجيه مسارات التوسع المقبلة.
إنَّ تقليص الفجوة بين مقومات عُمان والوعي بها يبدأ بتعريف العالم بما تقدمه، ويستمر بالوفاء بما يتوقعه القادم إليها. وحين يجد الناس حياة تناسبهم وتعاملًا يطمئنون إليه، يصبحون شركاء في توسيع جاذبية المكان؛ فنجاح «عيش عُمان» يمتد من لفت الانتباه إلى قرار القدوم، ثم إلى الرغبة في البقاء وتوصية الآخرين بأن يأتوا.
