الزواج.. اقتران شُبَّان أم مستقبل أوطان؟

 

د. سليمان بن حمد الفارسي

ليس الزواج مجرد اقتران بين رجل وامرأة، ولا استجابة لحاجة جسدية أو عاطفية فحسب، بل هو مشروع حياة تتجاوز آثاره حدود الزوجين إلى الأبناء والمجتمع والوطن. ففي الأسرة تتشكل ملامح الإنسان الأولى، وتُغرس القيم التي توجه سلوكه، ويتكون وعيه بالحق والواجب والانتماء. ومن هنا، فإنَّ بناء الأسرة ليس شأنًا شخصيًا معزولًا، بل إحدى اللبنات الأساسية في بناء المجتمع وصناعة المُستقبل.

وقد جعل القرآن الكريم السكن والمودة والرحمة أساسًا للعلاقة الزوجية؛ فقد قرن الله سبحانه وتعالى الزواج بالسكينة والمودة والرحمة، واعتبره ميثاقًا غليظًا بين الزوجين. والزواج شراكة يجد فيها الإنسان الطمأنينة والسند، ويُواجه مع شريكه أعباء الحياة وتقلباتها. ويؤكد القرآن هذا المعنى معتبرًا أن كلا الزوجين لباس للآخر، في تصوير بليغ لعلاقة قوامها القرب والستر والحماية وصيانة الكرامة.

ولا يقوم الزواج الناجح على الانجذاب وحده، بل يحتاج إلى حسن الاختيار، والتفاهم في القيم والأهداف، والنضج في تحمل المسؤولية. أما الفوارق المالية أو العلمية أو الشكلية، فلا ينبغي أن تتحول إلى حواجز تُعطِّل بناء الأسرة، متى توافرت مقومات الاحترام والتوافق. وقد وجّه الرسول صلى الله عليه وسلم الشباب إلى الزواج عند الاستطاعة؛ فالاستعداد للزواج لا يعني امتلاك ثروة كبيرة أو تحقيق جميع الطموحات قبل البدء بالحياة، بل القدرة المعقولة على الوفاء بالالتزامات، والاستعداد لبناء شراكة تقوم على التعاون والمسؤولية. كما أن تضخيم تكاليف الزواج ومظاهره قد يحول الكماليات إلى عقبات تؤخر الاستقرار وتثقل كاهل الزوجين.

ولأنَّ الزواج مشروع حياة طويل الأمد، فإنه يحتاج إلى تضحيات متبادلة وتنازلات حكيمة، لا إلى صراع دائم لإثبات من هو على حق؛ فالاعتذار ليس انتقاصًا من الكرامة، والتنازل عن موقف عابر ليس هزيمة، بل قد يكون كلاهما دليلًا على النضج وحسن تقدير العواقب. ويجب أن تكون العشرة بالمعروف. فالمعروف أساس يحفظ الحقوق ويصون الكرامة، ويمنع تحول الصبر إلى قبول بالإهانة أو التضحية إلى استغلال. والاستقرار الحقيقي لا يتحقق ببقاء الزوجين معًا بأي ثمن، بل بقدرتهما على بناء علاقة يسودها العدل والاحترام والمودة.

 

وتزداد أهمية هذا الوعي في عصر تُعرض فيه العلاقات عبر وسائل التواصل الاجتماعي في صور مثالية وانتقائية؛ فالحياة الواقعية لا تقارن بمظاهر لا تكشف حقيقتها، وتُضخّم النقائص على حساب النعم القائمة. كما أن ثقافة الاستبدال السريع قد تجعل الخلاف العابر سببًا للتخلي عن علاقة يمكن إصلاحها. والعلاقات الناضجة لا تخلو من الاختلاف، وإنما تتميز بقدرة أطرافها على الحوار، ومعالجة المشكلات، وطلب المساعدة عند الحاجة شريطة أن يكون من أشخاص أمناء وليس لديهم تجارب حياتية فاشلة تؤثر في نصائحهم بغض النظر عن مؤهلاتهم العلمية والمهنية. وفي المقابل، إذا تعذرت المعاشرة الكريمة بعد استنفاد سبل الإصلاح، فإن الانفصال بإحسان، مع حفظ الحقوق وصيانة الأبناء من النزاعات، أولى من استمرار علاقة مؤذية وغير قابلة للاستمرارية.

ومن هنا تتجلى الصلة العميقة بين الزواج والوطنية؛ فالوطن ليس أرضًا وحدودًا ومؤسسات فحسب، بل هو الإنسان الذي ينشأ فيه، والقيم التي يحملها، والمسؤوليات التي ينهض بها. والأسرة هي المدرسة الأولى التي يتعلم فيها الطفل احترام الآخرين، والوفاء بالعهود، وتحمل الواجب، والتعامل مع الاختلاف بالحوار والعدل. وما يراه الأبناء من سلوك والديهم يترك أثرًا في تكوين شخصياتهم، وقد يمتد إلى علاقاتهم في المدرسة والعمل والمجتمع. وهكذا تسهم الأسرة الواعية في إعداد مواطن يدرك أن الحقوق تقترن بالواجبات، وأن الانتماء ليس شعارًا، بل ممارسة يومية تتجلى في احترام القانون، وإتقان العمل، وصون حقوق الآخرين.

ولا يعني ذلك تحميل الأسرة وحدها مسؤولية مستقبل الوطن؛ فالتربية مسؤولية مشتركة، كما تؤثر الظروف الاقتصادية والاجتماعية في قدرة الشباب على الزواج والاستقرار. ولذلك، فإن تعزيز الأسرة يقتضي تيسير الزواج، والحد من تكاليفه المرهقة، ودعم ثقافة المسؤولية المشتركة بين الزوجين. فالمجتمع الذي يريد أسرًا مستقرة ينبغي أن يوفر للشباب ظروفًا تساعدهم على تأسيسها، لا أن يثقلهم بمطالب مادية تجعل بناء الحياة المشتركة أكثر صعوبة.

إنَّ الأوطان التي تتطلع إلى أجيال عظيمة تحتاج إلى أسر تغرس في أبنائها قيم الوفاء والعدل والتسامح والمسؤولية، وتمنحهم بيئة آمنة يتعلمون فيها معنى الانتماء بالممارسة قبل القول. فالزواج الناجح ليس مجرد اقتران شابين، بل التزام واعٍ ببناء حياة وتربية إنسان وصناعة مستقبل. والمواطن الذي يحمل أمانة الوطن غدًا هو طفل يتعلم اليوم في بيته معنى الحق والواجب، والعدل والتسامح، والعمل والتضحية. ومن هنا، فإن بناء الأوطان لا يبدأ من مؤسساتها وحدها، بل يبدأ أيضًا من البيوت التي تصنع الإنسان وتؤهله لحمل أمانة المستقبل.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z