النيل وعُمان.. ذاكرة الجمال والوفاء

 

 

 

أحمد سعيد طنطاوي

@ahmedtantawi

 

 

صغيرًا كنت على مقربة من عُمان رغم أنني لم أزرها، كنت على مقربة منها بفضل استطلاعات مجلة العربي الكويتية وصديق عماني، كنت أقوم بمراسلته عبر الرسائل الورقية القديمة... كان إيقاع الدنيا أقل سرعة وأهدى أعصابًا، والرسائل تصل لي وله بعد شهر وشهرين. وكما قال الفيلسوف الألماني شوبنهاور: "الذكريات هي الوحيدة التي لا يمكن لأحد أن يسرقها منا".

كان يرسل لي صورًا تذكارية من عُمان الجميلة وصلالة المسماة سويسرا الخليج... هكذا سماها، وهكذا علقنا بها قبل أن أزورها وألتقي بأهلها وأصدقائي الصحفيين في المؤتمرات والندوات والسفر والترحال، فالعين ترى ما تدركه الروح قبل أن تخطو الأقدام.

كانت عيني تتطلع إلى أشياء لم تذكرها التقارير والاستطلاعات، وتمر السنون لتصبح الحياة بين أطراف أصابعك؛ بضغطة زر واحدة ترى ما تحب وتريد، فذهبت أصابعي تنقب عن الجمال المنتشر في كل شبر هناك؛ تنقلت بين إطلالة شعت بولاية رخيوت في محافظة ظفار، وقرية العقر الشامخة في الجبل الأخضر بمحافظة الداخلية، ثم انساب الخيال نحو وادي شاب بنيابة طيوي في ولاية صور، وقرية وادي مستل بولاية نخل، مرورًا ببهاء قرية بلاد سيت المحتضنة بين جبال الحجر بولاية الرستاق، وصولًا إلى شاطئ الفزايح العذري بظفار وقرية مسفاة العبريين في ولاية الحمراء.

الحلاوة لا تنتهي، وكما يقولون: "عُمان ليست مجرد وجهة تُزار، بل حكاية تُروى.. فكل قرية تحمل ذاكرة، وكل جبل يختزن قصة، وكل واد يهمس بجمال لا تصنعه إلا الطبيعة". وفي هذا المعنى يبرز قول سقراط: "الجمال هو الإشاعة الفُضلى للحقيقة".

والجمال الآخر الذي لا يغادر القلوب هو طيبة هذا الشعب ورقيه وأسلوبه المهذب في كل شيء ووفاؤه مع مصر، فلن ننسى تلك الروابط الراسخة.

وإذا كان لهذه الروابط من عنوان، فإن عنوان العلاقة بين مصر وسلطنة عُمان هو: "الوفاء الذي لا يتبدل والأخوة التي لا تنفصم".

هذه المحبة المتبادلة ليست وليدة ظروف عابرة أو مصالح مؤقتة، بل هي وشيجة روحية وتاريخية تجذرت في وجدان الشعبين، وسارت بها الركبان كمثال يحتذى في الصدق والعهد المكتوب بنور المواقف المشرفة. وكما عبر الفيلسوف الإغريقي أرسطو عن جوهر هذه الروابط قائلًا: "الصديق هو روح واحدة تسكن جسدين".

لقد بدأت القصة منذ فجر التاريخ، حين كانت سفن عُمان تمخر عباب البحار حاملة أزكى عطور اللبان الظفاري إلى معابد مصر القديمة، فكان ذلك التبادل التجاري المبكر بمثابة مصافحة أولى بين حضارتين عريقتين وضعتا لبنات التاريخ الإنساني الأولى. ومع إشراقة نور الإسلام، امتزجت الدماء بالدماء، والعقول بالعقول، وغدت مسقط والقاهرة منارتين تلتقيان دائما على قيم البناء والنبل والاتزان.

إنَّ محبتنا لسلطنة عُمان في مصر، ومحبة العُمانيين لأرض الكنانة، صاغتها مواقف محفورة بحروف من ذهب في ذاكرة الأمة؛ فمن ينسى وقفة السلطان الراحل قابوس بن سعيد إبان حرب أكتوبر 1973، حين جاد الأشقاء في عُمان بالدعم والمساندة لجيش مصر؟ ومن ينسى الموقف التاريخي الأبرز حين تعرضت مصر للمقاطعة في أواخر السبعينيات، فكانت سلطنة عُمان كعادتها طودًا شامخًا من الحكمة، رافضةً قطع حبال الوصل مع القاهرة، مُعلنةً للعالم أجمع أن مصر هي قلب الأمة النابض الذي لا يمكن عزله أو الاستغناء عنه؟

هذا الإرث من المواقف النبيلة يستمر اليوم في أبهى صوره تحت قيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي وجلالة السلطان هيثم بن طارق؛ حيث يشهد البلدان تنسيقًا سياسيًا واقتصاديًا رفيعًا، تتلاقى فيه رؤية عُمان 2040 مع رؤية مصر 2030 لتبني مستقبلًا واعدًا للأجيال القادمة.

وتبقى الجالية المصرية في السلطنة تلقى كل ترحيب ورعاية بين أهلها، لتكون جسرًا بشريًا وثقافيًا ينبض بالمحبة والتقدير المتبادل كل يوم.

ستبقى علاقة مصر وعُمان نموذجًا فريدًا يُثبت أن السياسة قد تتغير، وأن العواصف قد تهب، ولكن المعادن الأصيلة للدول لا تغيرها الأيام؛ ستبقى المحبة بين القاهرة ومسقط عهدًا وثيقًا، يُستمد من ماضٍ عريق، ويُبنى به حاضر مجيد، ويُساق نحو غدٍ مشرق بالخير والسلام، وتظل الحكمة الخالدة لماركو أوريليوس شاهدة على ذلك: "ما لا ينفع النحل لا ينفع الخلية".

** كاتب وصحفي مصري

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z