عائض الأحمد
إنها الأقدار وقوانين الحياة؛ فمن أماط لثامها ليعلم ما تخفيه ابتسامتها، وظن أنه علم كل شيء، فقد نسي أنه لم يرَ ما أخفته حينما رحلت.
في لحظات غرور وطيش، صدّقتها، أحببتها، وأغدقت عليها حبًا وحياة، فإذا بي عابر سبيل، أتسوّل يوم لقاء.
الغدر هو خيانة البقاء، وأنت تريد الذهاب بعيدًا دون عودة. إن كنت تملك الشجاعة، فافعلها وارحل، فمن يبكيك اليوم سيضحك عليك غدًا.
لوهلةٍ ظننت، معتقدًا جازمًا، أن أسطورتها حقيقة، وأن وجودها شمسٌ أقف تحتها في يوم بارد، طلبًا لشيءٍ من دفئها، فإذا بي ظلٌّ في يوم عاصف لا نهاية له.
تشبه السراب؛ كلما اقتربتُ منها اختفت، وكلما ابتعدتُ رأيتها من بعيد، كأنها الشيء ونقيضه.
تغازل نفسها، وتبكيها فوق أطلالي، ظنًّا منها أنني غافلٌ عنها. تختلق الأعذار، وتقصي الذكريات، كمن يسبّ الدهر وهو يحدّق في دقائقه وثوانيه.
ولأنني كنت أبحث عنها في كل شيء، لم أنتبه أنني كنت أفقدني في كل مرة. كنت أظن أن الاقتراب منها يقودني إليها، فإذا به يقودني بعيدًا عني، حتى صرت لا أعرف: أكنت أحبها، أم أحب الصورة التي صنعتها لها في داخلي؟
ربما لم تكن هي من تغيّرت، وربما كنت أنا من تأخر في رؤية الحقيقة. فبعض الأشياء لا تكشف وجهها إلا حين نتعب من الركض خلفها، وبعض الأشخاص لا نعرف حقيقتهم حين نقترب منهم، بل حين نعجز عن الوصول إليهم.
وما يؤلمني اليوم ليس أنها رحلت، بل أنني كنت حاضرًا طوال الوقت، وهي تغيب شيئًا فشيئًا، وأنا أسمّي غيابها عذرًا، وصمتها ظرفًا، وبعدها حاجةً إلى الهدوء.
حتى أدركت أن بعض الشروق لا يأتي ليمنحك النهار، بل ليكشف لك أنك كنت تعيش طويلًا في الوهم؛ فكان شروقها غروبًا.
لها: أجمل من المطر ليس غزيره؛ فهتانٌ متصل يأتي برقته خيرٌ من نهرٍ جارٍ.
شيء من ذاته: يكابد قسوة الأيام وحيدًا، ويسبّ الماضي كأنه الشاهد الوحيد على فقدان ذاته.
نقد: ستصل في يومٍ ما إلى مرحلة السلام، فترى الأسود أبيض حينما تنظر إلى حالة الركام من حولك.
