تشو شيوان **
قبل تسعين عامًا، وتحديدًا في أكتوبر عام 1936، التقت القوات الرئيسية الثلاث للجيش الأحمر الصيني في شمال غربي الصين، بعد مسيرة شاقة استمرت نحو عامين، واجهت خلالها تحديات عسكرية وطبيعية وإنسانية هائلة، وقد شكّل هذا اللقاء النهاية المنتصرة لما عُرف في التاريخ الصيني الحديث باسم «المسيرة الطويلة».
واليوم، وبعد مرور 9 عقود على هذا الحدث، تعود الصين إلى استحضار هذه الصفحة المهمة من تاريخها. وهنا يبرز سؤال يستحق التأمل: لماذا لا تزال مسيرة عسكرية جرت في النصف الأول من القرن الماضي تؤثر على الوعي الجماعي للشعب الصيني وفي مسار التنمية الذي تسلكه البلاد حتى يومنا هذا؟ إن الإجابة لا تكمن في الوقائع التاريخية وحدها، بل أيضًا في القيم والدروس التي حملتها تلك التجربة، والتي تجاوز تأثيرها حدود الزمان والمكان.
بالنسبة إلى كثير من القراء خارج الصين، قد تكون المسيرة الطويلة فصلًا غير مألوف من التاريخ الصيني الحديث؛ ففي ثلاثينيات القرن الماضي، كانت الصين تمر بمرحلة مضطربة، اتسمت بصراعات سياسية وعسكرية داخلية. وفي تلك الفترة، دارت مواجهات متواصلة بين الجيش الأحمر بقيادة الحزب الشيوعي الصيني وقوات حزب الكومينتانغ، الذي كان يتولى السلطة المركزية آنذاك. وفي عام 1934، تعرضت المناطق التي كانت تتمركز فيها قوات الجيش الأحمر في جنوب الصين لضغوط عسكرية شديدة نتيجة هجمات واسعة النطاق شنتها قوات الكومينتانغ، إلى جانب أخطاء سابقة في التخطيط والقيادة العسكرية. وأمام هذا الوضع، قررت القيادة الشيوعية إعادة انتشار قواتها بهدف الحفاظ على قدراتها والبحث عن مواقع جديدة لمواصلة نشاطها. وهكذا بدأت المسيرة الطويلة في أكتوبر من العام نفسه. وخلال العامين التاليين، اجتازت قوات الجيش الأحمر مناطق شاسعة من الصين، وعبرت الأنهار، وتسلق أفرادها الجبال المغطاة بالثلوج، وشقوا طريقهم عبر المستنقعات والمناطق الوعرة، في ظل نقص حاد في الأغذية والإمدادات، فضلا عن المواجهات العسكرية المستمرة. وفي أكتوبر 1936، اكتملت المسيرة بالالتقاء الناجح للقوات الرئيسية الثلاث للجيش الأحمر، في حدث لم يقتصر أثره على الحفاظ على قوة أساسية للثورة الصينية، بل أسهم أيضًا في تغيير مسارها التاريخي.
تكمن إحدى أهم دلالات المسيرة الطويلة في أنها جسدت قوة الإيمان بالهدف والقدرة على الصمود أمام المحن. ففي ذلك الوقت، كان الجيش الأحمر يواجه اختلالًا واضحًا في موازين القوى من حيث التسليح والعدد والإمدادات، بينما كانت المخاطر تحيط به في مختلف مراحل تحركه. ومع ذلك، استطاع مواصلة مسيرته رغم الظروف القاسية والخسائر الكبيرة. ومن هذا المنظور، لم تكن المسيرة الطويلة مجرد انتقال عسكري من منطقة إلى أخرى، بل كانت أيضا اختبارا للإرادة والثبات على القناعة. ولعل أحد أبرز الدروس المستفادة منها هو أن القدرة على تجاوز الأزمات لا تتحدد فقط بحجم الموارد والإمكانات المتاحة، وإنما ترتبط كذلك بوضوح الهدف والإصرار على تحقيقه، مهما بلغت صعوبة الطريق.
غير أن نجاح المسيرة الطويلة لم يكن ثمرة الشجاعة والمثابرة وحدهما، بل ارتبط أيضًا بالقدرة على مراجعة الأخطاء وتعديل الاستراتيجيات وفقا للواقع؛ ففي يناير عام 1935، عقد الحزب الشيوعي الصيني اجتماعا مهما في مدينة تسونيي بجنوب غربي الصين خلال المسيرة الطويلة. وجاء الاجتماع في مرحلة حرجة، بعدما تكبُّد الجيش الأحمر خسائر فادحة نتيجة أخطاء في القيادة والتخطيط العسكري، وأصبح يواجه تحديات تهدد استمراره. وفي ذلك الاجتماع، بدأت عملية تصحيح الأخطاء السابقة وإعادة النظر في أساليب القيادة والقرارات العسكرية، بما مهّد لتحولات مهمة في مسار الثورة الصينية. وتكشف هذه التجربة أن التمسك بالأهداف لا يعني الجمود في الوسائل، وأن الثبات الاستراتيجي الحقيقي يتطلب القدرة على الاعتراف بالمشكلات، واستخلاص الدروس من الإخفاقات، وتكييف السياسات مع الظروف المتغيرة. وهنا تبرز إحدى الرسائل الأساسية للمسيرة الطويلة: الجمع بين الثقة بالهدف والواقعية في العمل.
ومنذ تلك المرحلة التاريخية، شهدت الصين تحولات عميقة، بدءًا من تأسيس جمهورية الصين الشعبية عام 1949، مرورًا بسياسة الإصلاح والانفتاح التي انطلقت أواخر سبعينيات القرن الماضي، وصولًا إلى مسيرة التنمية والتحديث في العصر الحاضر. وتحوَّلت الصين من بلد يعاني الفقر وضعف القدرة الاقتصادية إلى ثاني أكبر اقتصاد في العالم، وحققت تقدمًا ملحوظًا في البنية التحتية والصناعة والتكنولوجيا والابتكار.
ومع ذلك، فإن مسيرة التنمية لا تسير دائمًا في خط مستقيم، ولا تخلو من التحديات؛ ففي ظل التحولات الاقتصادية الداخلية، وتصاعد المنافسة التكنولوجية، وتزايد حالة عدم اليقين في البيئة الدولية، لا تزال الصين تواجه اختبارات جديدة تتطلب رؤية بعيدة المدى وقدرة مستمرة على التكيف. ومن هذا المنطلق، لا يعني استلهام روح المسيرة الطويلة اليوم تكرار تجارب الماضي، وإنما الاستفادة من دروسها في الحفاظ على الاستقلالية في اتخاذ القرار، ومواجهة الصعوبات، والبحث عن مسار تنموي يتناسب مع الظروف الوطنية للصين.
ولا تقتصر الدلالات التي تحملها المسيرة الطويلة على التجربة الصينية وحدها، بل يمكن أن تثير تأملات أوسع لدى شعوب أخرى، من بينها شعوب العالم العربي. فقد مرت دول عربية عديدة بتجارب تاريخية صعبة في سعيها إلى نيل الاستقلال، وصون السيادة الوطنية، وبناء مؤسسات الدولة، واختيار مساراتها الخاصة نحو التنمية. ورغم الاختلافات بين الظروف التاريخية والسياسية لكل بلد، فإن قيم الصمود والاعتماد على الذات والسعي إلى مستقبل أفضل تشكل أرضية مشتركة للتفاهم بين الشعوب. ومن بين الدروس التي تقدمها التجربة الصينية أن التنمية لا يمكن تحقيقها بمجرد استنساخ نماذج الآخرين، بل تتطلب فهما عميقا للواقع الوطني، وقدرة على حشد الطاقات، ومرونة في التعامل مع التحديات. وهي أفكار تكتسب أهمية خاصة في وقت تسعى فيه دول عربية عديدة إلى تنويع اقتصاداتها، وتعزيز قدراتها الإنتاجية، وبناء نماذج تنموية أكثر استدامة.
أما اليوم.. فإن المسيرة الطويلة التي تواجهها الصين لم تعد مسيرة عسكرية وسط الجبال والأنهار؛ بل أصبحت مسيرة طويلة الأمد نحو تحقيق التحديث الصيني، وتعزيز التنمية عالية الجودة، وتحسين مستوى معيشة الشعب. فمن الابتكار التكنولوجي إلى التحول الأخضر، ومن تعميق الإصلاح والانفتاح إلى توسيع التعاون الدولي، تعمل الصين على تحويل القيم التي راكمتها عبر تاريخها إلى قوة تدفع عجلة التنمية في الحاضر.
وفي الوقت نفسه، أصبحت التنمية الصينية أكثر ارتباطا بالعالم الخارجي، بما في ذلك الدول العربية، التي تتوسع معها مجالات التعاون في الطاقة والبنية التحتية والتجارة والتكنولوجيا. وإذا كانت المسيرة الطويلة التاريخية قد جسدت القدرة على إيجاد طريق وسط الصعوبات، فإن مسيرة التحديث الصينية اليوم تتطلب الجمع بين الاستقلالية والانفتاح، وبين الثقة بالمسار الوطني والاستعداد للتعاون مع الآخرين، بما يفتح آفاقا أوسع لتحقيق المصالح المشتركة.
لقد مرت تسعون سنة على انتهاء المسيرة الطويلة، وأصبحت الجبال الثلجية والمستنقعات والطرق الوعرة التي اجتازها الجيش الأحمر جزءا من الذاكرة التاريخية للشعب الصيني. لكن القيم التي ارتبطت بتلك التجربة لم تفقد حضورها مع مرور الزمن؛ فالتاريخ لا يعيد نفسه بالطريقة ذاتها، والتحديات التي تواجه الدول تتغير من عصر إلى آخر، غير أن الصمود أمام الصعوبات، والقدرة على مراجعة الأخطاء، والثقة بالمستقبل، تظل عناصر أساسية في تقدم الأمم.
ولعل هذا هو المعنى الأعمق لإحياء الصين الذكرى التسعين لانتصار المسيرة الطويلة؛ إذ إن استذكار الماضي لا يهدف إلى تكريم التضحيات فحسب؛ بل إلى استلهام الحكمة اللازمة لمواصلة التقدم. لقد انتهت المسيرة الطويلة قبل تسعين عامًا، لكن مسيرة السعي إلى السلام والتنمية والاستقرار والازدهار لا تزال مستمرة.
** كاتب وإعلامي صيني
