74.3 ألف وظيفة صحية حتى 2040 (1-2)

علي بن حبيب اللواتي

يعيش القطاع الصحي في سلطنة عُمان، من مسندم شمالًا إلى ظفار جنوبًا، نموًا متواصلًا ومستمرًا لا يتوقف. وهذا النمو المتسارع هو ثمرة جهود مخلصة بذلتها وتواصل بذلها كوادرنا الوطنية والوافدة معًا، بكل تفانٍ، منذ فجر النهضة المباركة عام 1970 وحتى اليوم. فلهم جميعًا كل الشكر والتقدير على ما تحقق من إنجازات مقدّرة يشهد بها القاصي والداني.

ويفرض هذا النمو المطّرد في عدد المستشفيات والمراكز الصحية، والتوسع في الخدمات التخصصية، علينا اليوم، ونحن على أعتاب رؤية عُمان 2040، سؤالًا استراتيجيًا مهمًا: كيف نُعِدّ ونؤهّل الجيل القادم من الكوادر الصحية الوطنية ليكون شريكًا فاعلًا ومستدامًا إلى جانب إخواننا من الكوادر الوافدة، الذين سيظلون دائمًا شركاء نمو لا غنى عنهم؟

وبقراءة الواقع الحالي، تشير البيانات المتاحة إلى أن عدد خريجي الطب سنويًا لا يتجاوز نحو 240 طبيبًا، منهم نحو 130 إلى 150 طبيبًا من جامعة السلطان قابوس، ونحو 110 أطباء من كلية الطب والعلوم الصحية بالجامعة الوطنية للعلوم والتكنولوجيا في صحار. في حين ستستقبل كلية الطب بجامعة ظفار أول دفعة لها في العام الأكاديمي 2025–2026، ولن تتخرج هذه الدفعة قبل عام 2031، وستحتاج الكلية بعد ذلك إلى عدة سنوات أخرى لتصل إلى طاقتها الاستيعابية الكاملة.

توضيح مهم: إن نسبة التعمين البالغة 71.1% في سبتمبر 2025 تخص إجمالي الكوادر الوطنية العاملة في القطاع الصحي، وتشمل الإداريين بمختلف أقسامهم، والفنيين المختصين بصيانة الأجهزة الطبية، والوظائف المساندة الأخرى، وليست خاصة بالمهن الطبية الأساسية وحدها. أما في صلب المهن الطبية التخصصية، فتشير تقديرات متداولة، استنادًا إلى بيانات منشورة عن القطاع الصحي خلال عام 2024، إلى أن النسبة تقارب 44% للأطباء و59% للتمريض.

إننا أمام فجوة وطنية لا يمكن سدّها بالزيادات التدريجية البطيئة وحدها، بل نحتاج إلى قفزات وطنية شاملة تشبه قفزات التعليم في سبعينيات القرن الماضي.

1. الشفافية أولًا: لوحة سنوية للاحتياجات

قبل أن نطلب من الشباب الالتحاق بدراسة الطب، يجب أن نكون شفافين معهم. ومن هنا، نقترح أن تنشر وزارة الصحة لوحة تفاعلية سنوية ومفصّلة، تعلن فيها احتياجات القطاع الصحي المتوقعة؛ فعلى سبيل المثال، يمكن أن توضح أن عام 2027 سيشهد حاجة إلى 500 ممرض، و400 طبيب عام، و100 صيدلي، و100 فني مختبر، مع تفصيل احتياجات كل محافظة، حتى يتعرّف الطلبة وأولياء الأمور على فرص التوظيف الحقيقية، ويتمكنوا من تخطيط مستقبلهم بثقة أكبر.

2. عقدة النسبة: الشغف قبل الدرجة

لا يعقل أن نحكم على مستقبل طالب يرغب في أن يصبح طبيبًا استنادًا إلى معدل الدبلوم وحده، في حين أن أنظمة القبول في دول أخرى تعتمد معايير متعددة. ففي الولايات المتحدة وكندا، لا يقتصر القبول على نسبة الثانوية العامة، وفي بريطانيا تُستخدم اختبارات مثل UCAT إلى جانب المعايير الأكاديمية، بينما تختلف شروط القبول في ماليزيا وكوريا الجنوبية والصين بحسب الجامعة والبرنامج الدراسي.

والمقترح الوطني هو اعتماد نسبة 85% حدًا أدنى للتقدم إلى مسار الطب والعلوم الصحية، مع استحداث اختبار قدرات وطني لهذا المسار، إلى جانب مقابلة شخصية تقيس مهارات التعاطف والالتزام الأخلاقي، يتولى المجلس العُماني للاختصاصات الطبية تصميمهما، بالتنسيق مع الجهات التعليمية المختصة.

3. صدمة اللغة: الحل يبدأ من المدرسة

يواجه بعض طلبتنا صدمة لغوية في السنة الأولى من الدراسة الجامعية؛ إذ يدرسون اثني عشر عامًا باللغة العربية، ثم يجدون أنفسهم أمام مقررات مثل التشريح والكيمياء الحيوية باللغة الإنجليزية.

والحل الجذري، بالتنسيق بين وزارتي التربية والتعليم والصحة، هو البدء، اعتبارًا من العام الدراسي 2028–2029، في تطبيق مسار تدريجي لتدريس مبادئ العلوم الصحية باللغة الإنجليزية لطلبة الصفين الحادي عشر والثاني عشر، على مدى خمس سنوات، بما يهيئ الطلبة مبكرًا لاختيار مساراتهم الدراسية بثقة.

4. الابتعاث الذكي: من 400 إلى 2000

نبتعث حاليًا أعدادًا محدودة إلى الولايات المتحدة وبريطانيا، بتكلفة مرتفعة جدًا. والبديل الواقعي المقترح هو زيادة الأعداد إلى ألفي طالب وطالبة، من خلال الابتعاث إلى جامعات معترف بها، ومستوفية لمتطلبات الاعتماد المعمول بها، وتُدرّس برامجها باللغة الإنجليزية، بما في ذلك جامعات في ماليزيا وكوريا الجنوبية وسنغافورة واليابان وتركيا ودول أوروبية مختارة، بما يتيح الحصول على تعليم ذي جودة عالية بتكلفة أقل.

5. حزمة تحفيز وطنية لبداية الطريق الصحي

تتحمل كوادرنا التمريضية مشقة العمل بنظام الورديات الليلية، والعمل خلال العطل والأعياد، كما تتحمل كوادرنا الطبية في سنواتها الأولى مشقة المناوبات الطويلة والممتدة. وهو جهد بدني ونفسي يختلف عن طبيعة العمل النهاري المعتاد.

والمطلوب مراجعة هادئة وشاملة لحزمة البدلات، بما يشمل بدل طبيعة العمل والبدلات الأخرى المرتبطة بنظام الورديات والمناوبات، مع التركيز على السنوات الخمس الأولى من المسار المهني، وفق الأطر القانونية المعتمدة، والاستفادة من التجارب الخليجية الناجحة في هذا المجال.

6. تشجيع التمريض الرجالي

المشكلة ثقافية بامتياز؛ إذ لا يميل بعض الشباب إلى الالتحاق بمهنة التمريض. والحل المقترح هو إعادة تعريف المهام المهنية وتوضيح المسارات التخصصية المتاحة، مثل تخصصات الإسعاف والطوارئ والرعاية الحرجة، مع دراسة تقديم حوافز مناسبة للتخصصات التي تتطلب جهدًا إضافيًا أو تواجه نقصًا في الكوادر، وتوفير زي مهني موحد يعزز الاعتزاز بالمهنة، ليقف المسعف العُماني إلى جانب الممرضات العُمانيات في الصفوف الأولى للإنقاذ والتعامل مع الحوادث والطوارئ.

7. سُلّم مهني لا ينقطع، بجودة لا تتنازل

إذا أراد الفني اليوم أن يصبح أخصائيًا، فقد يضطر إلى البدء من الصفر في بعض المسارات التعليمية، وهو ما قد يسهم في التسرب والإحباط المهني.

والمطلوب إيجاد مسار مرن وواضح للترقي المهني داخل مهن العلوم الصحية المساندة، يتيح للفني استكمال دراسته والتجسير إلى درجة الأخصائي، سواء في المختبرات أو الأشعة أو العلاج الطبيعي، وفق مدد دراسية محددة، وبعد استيفاء الكفايات المهنية والأكاديمية المطلوبة، واحتساب الساعات المعتمدة المستوفاة فقط، مع اجتياز اختبار وطني موحد تشرف عليه الجهة المختصة.

8. أعداد الأسرّة: أقل من نصف المتوسط العالمي، والحل يحتاج إلى قرار

تشير تقديرات متداولة، استنادًا إلى بيانات منشورة عن القطاع الصحي، إلى أن إجمالي أسرّة المستشفيات يقارب 8794 سريرًا موزعة على نحو 98 مستشفى، بمعدل يقارب 15 سريرًا لكل عشرة آلاف نسمة، وفق مؤشرات منشورة لعام 2023. ويقل هذا المعدل عن المتوسط العالمي الذي يُقدّر بنحو 27 سريرًا لكل عشرة آلاف نسمة، كما يقل بفارق كبير عن المعدلات المسجلة في دول مثل كوريا الجنوبية واليابان، التي تتجاوز 120 سريرًا لكل عشرة آلاف نسمة وفق بعض الإحصاءات.

والحل العملي المقترح هو دراسة إمكانية استكمال تشغيل الطاقة الاستيعابية للأجنحة غير المستغلة حاليًا، وتجهيز جناح إضافي في كل مستشفى مرجعي، بما قد يسهم في توفير مئات الأسرّة دون الحاجة إلى إنشاء مستشفيات جديدة، شريطة ربط أي زيادة في الطاقة الاستيعابية بخطة متكاملة لزيادة أعداد المشرفين والكوادر الصحية اللازمة.

9. مجموعات الامتياز: الجودة تصنع الكثرة

يُعدّ توفير الإشراف الكافي على طلبة الامتياز عنصرًا أساسيًا لضمان جودة التدريب وسلامة المرضى، ويمكن الاسترشاد بنسب إشرافية مناسبة، مثل أربعة طلاب لكل مشرف، وفق طبيعة التخصص ومتطلبات التدريب.

ويمكن تحقيق ذلك من خلال تشجيع تكليف فئة الأخصائي الأول بمسؤولية التدريب اليومي لطلبة الامتياز، مع احتساب هذه المسؤولية ضمن المهام الأكاديمية وتقرير الأداء السنوي، على أن يظل الاستشاري المشرف العام والمسؤول النهائي عن التقييم.

10. المناوبات: خارطة طريق للتخفيض التدريجي

تشير الممارسات المتبعة في بعض أنظمة المناوبات إلى أن ساعات عمل الطبيب المقيم قد تصل في بعض الحالات إلى نحو 32 ساعة متواصلة، ما قد يجعله يستقبل حالة طارئة في الساعة الثالثة فجرًا بعد مرور 24 ساعة دون نوم.

وقد دفعت المخاوف المتعلقة بالإرهاق وتأثيره في سلامة المرضى أنظمة صحية، ومنها النظام الأمريكي، إلى وضع قيود على ساعات عمل الأطباء المقيمين ومراجعتها.

والمطلوب وضع خطة تمتد لعشر سنوات للانتقال التدريجي إلى أنظمة مناوبات أقصر، تبدأ بتطبيق تجريبي في المستشفيات المرجعية الكبرى، مع تقييم أثرها في سلامة المرضى وجودة التدريب واستدامة الموارد البشرية.

11. إنشاء كلية الطب بجامعة ظفار وتشغيلها وتعميم التجربة

تمثل كلية الطب بجامعة ظفار خطوة مهمة تستحق الإشادة، ونأمل أن تتوسع التجربة لتشمل بقية المحافظات، بما يوسع قاعدة إعداد الكوادر الوطنية. وتعتمد هذه الكليات على المستشفيات المرجعية في المحافظات لتنفيذ برامج التدريب والامتياز.

والمطلوب وضع خطة واضحة تمتد لعشر سنوات لإنشاء كليات طب في المحافظات ذات الكثافة السكانية، مع اشتراط استيفاء متطلبات الاعتماد الأكاديمي الدولي ذات الصلة.

12. الاعتماد الدولي: من شهادة إلى ثقافة مستدامة

إن حصول كلياتنا على الاعتماد الدولي إنجاز وطني مهم، لكن التحدي الحقيقي يتمثل في استدامة الجودة، وتحويل الاعتماد من شهادة تُعلّق على الحائط إلى ثقافة عمل يومية، من خلال إنشاء وحدة مستقلة لضمان الجودة في كل كلية، تتولى المتابعة والتقييم والتحسين المستمر.

13. القاعة الموحدة للموافقات

يتطلب فتح تخصص جديد أو إنشاء كلية طب الحصول على موافقات من جهات متعددة، وقد تستغرق هذه الإجراءات سنوات.

والمقترح هو إنشاء آلية موحدة لتنسيق الموافقات، تجمع الجهات المعنية ضمن مسار إجرائي واضح، مع تحديد مدة مستهدفة لا تتجاوز 150 يومًا للبت في الطلبات المستوفية للشروط، وفق معايير معلنة وآليات قانونية معتمدة.

14. الشراكة مع القطاع الخاص بوصفه شريكًا وطنيًا في التدريب

نقترح تحفيز المستشفيات الخاصة الرائدة لتكون شريكًا للقطاع الصحي العام في توفير فرص التدريب لطلبة الامتياز، أسوةً ببعض التجارب الخليجية، من خلال منح المستشفيات الملتزمة بمعايير التدريب شهادة «الشريك الوطني الممتاز»، إلى جانب حزمة من الحوافز التي تشجعها على الاستثمار في التعليم والتدريب الصحي.

الخلاصة ورسالة وفاء

يمتلك القطاع الصحي واحدة من أكبر مجموعات الكوادر البشرية انتشارًا في مختلف أرجاء سلطنة عُمان. ولا يمكننا الكتابة عن هذا القطاع دون وقفة وفاء لإخواننا الأطباء والممرضين والصيادلة والفنيين الوافدين، الذين أسهموا في بناء هذا الصرح منذ عام 1970 وحتى اليوم. فلهم جميعًا الشكر والتقدير والاحترام، فهم شركاء الرحلة وشركاء الإنجاز.

إن القدرة على بناء آلاف الكوادر الصحية الوطنية حتى عام 2040 ليست مجرد أرقام وظيفية، بل استثمار مباشر في بناء الأسر العُمانية الجديدة واستقرارها؛ فكل وظيفة صحية يمكن أن تمثل فرصة لاستقرار أسرة عُمانية وقصة نجاح وطنية متألقة، مع بقاء أبواب القطاع الصحي مفتوحة ومرحبة دائمًا بإخواننا الوافدين، بوصفهم شركاء نمو حقيقيين لا غنى عنهم.

باحث في تطوير الموارد البشرية

الأكثر قراءة

z