مركز قريات للثقافة والابتكار.. منارة للفكر وجسر إلى المستقبل

 

 

 

 

محمد بن سالم البطاشي

بحضور ثقافي ورسمي لافت نظم مكتب والي قريات حفل إطلاق الهوية البصرية لمركز قريات للثقافة والابتكار؛ حيث يأتي هذا المشروع الثقافي الطموح كأول مشروع من نوعه في محافظة مسقط، ومن قبله أطلقت الولاية مكتبتها الأهلية كأول مبادرة من نوعها على مستوى المحافظة.

وتنبع أهمية هذا المركز من كونه منارة للعلم، ومنبرًا للثقافة، وحاضنة للإبداع، ورافدًا للابتكار، وفضاءً رحبًا لصناعة المعرفة، واستكشاف المواهب، وتنمية القدرات، واستشراف آفاق المستقبل؛ ففي حضرة الثقافة، تنهض الأمم من سباتها، وتستيقظ في العقول أسئلة النهضة، وتُفتح أمام الأجيال نوافذ المعرفة والإبداع. فالثقافة ليست ترفًا فكريًا، ولا الابتكار نزوة عابرة، وإنما هما جناحان تحلّق بهما المجتمعات نحو آفاق التقدم، وبهما تُصان الهوية، وتُستثمر الطاقات، وتُصاغ ملامح المستقبل. ومن هذا المنظور، تبرز أهمية مركز قريات للثقافة والابتكار بوصفه مشروعًا تتطلع إليه الآمال، وتُعلّق عليه التطلعات، ليكون منارةً معرفيةً تُضيء دروب الإبداع، وفضاءً رحبًا تتلاقح فيه الأفكار، وتلتقي فيه أصالة الماضي بطموحات الغد.

ولاية قريات، بما تختزنه من إرث تاريخي وثقافي غني ومترع بالأصالة والحيوية، وما تتميز به من ملامح زراعية وبحرية واجتماعية وطبيعية متنوعة، ليست مجرد رقعة جغرافية على امتداد الساحل العُماني؛ إنها ذاكرة مكان، وحكاية إنسان، وامتداد حضاري يستحق أن يُقرأ بعين الباحث، ويُروى بقلم الأديب، ويُستثمر بفكر المبتكر. ومن هنا، فإن مركزًا يُعنى بالثقافة والابتكار في هذه الولاية يمكن أن يغدو حاضنةً لهذه الذاكرة، ومنصةً لتجديد حضورها في وجدان الأجيال، وتحويل موروثها إلى مصدر إلهام لمشروعات ثقافية ومعرفية معاصرة.

والرسالة الأسمى لهذا المركز تتمثل في بناء الإنسان قبل تشييد المكان؛ فالمنشآت، مهما بلغت أناقتها، لا تكتسب قيمتها الحقيقية إلا بما تحتضنه من عقول، وما تتيحه من فرص، وما تتركه من أثر في حياة المجتمع. ولذلك، فإن الرهان الحقيقي هو أن يتحول المركز إلى بيئة نابضة بالحياة، يجد فيها الكاتب منبرًا لقلمه، والشاعر فضاءً لقصيدته، والباحث معينًا لمعرفته، والفنان مجالًا لتجربته، والشاب فرصةً لاكتشاف موهبته وصقل قدراته.

وفي مقدمة أهدافه المنشودة، يأتي نشر الوعي الثقافي، وترسيخ عادة القراءة، وتعزيز الحوار الفكري، وتشجيع البحث والكتابة والإنتاج الأدبي والفني. فالمجتمعات التي تقرأ تعرف كيف تفكر، والمجتمعات التي تتحاور تعرف كيف تتجاوز اختلافاتها، والمجتمعات التي تكرّم الإبداع تهيئ لنفسها أسباب النهوض والاستمرار. ومن هنا، يمكن للمركز أن يحتضن الندوات الأدبية والفكرية، والأمسيات الشعرية، والمعارض الفنية، والعروض المسرحية ومعارض الرسم، واللقاءات الحوارية، والبرامج الموجهة للأطفال والناشئة، لتصبح الثقافة ممارسةً يوميةً حيّة، لا مناسبةً موسميةً عابرة.

أما الابتكار، فهو الوجه الآخر لهذه الرسالة؛ إذ لا يكفي أن نستعيد أمجاد الماضي ما لم نجعل منها دافعًا لصناعة المستقبل. والابتكار ليس حكرًا على المختبرات العلمية أو المؤسسات التقنية، بل يبدأ بفكرة صغيرة، وسؤال جريء، ومحاولة تتجاوز المألوف. ويمكن للمركز أن يفتح أبوابه أمام رواد الأعمال الشباب، والمبتكرين، وأصحاب المشروعات الإبداعية، وأن يوفر لهم فرصًا للتدريب والتجريب، وورشًا لتنمية المهارات الرقمية والتقنية، ومساحاتٍ لتبادل الخبرات وتحويل الأفكار الواعدة إلى مبادرات قابلة للتطبيق.

ومن الغايات التي تستحق أن تتصدر أولويات هذا المركز، توثيق التراث المحلي في قريات، وجمع الروايات الشفوية، وحفظ الموروث الفني والزراعي والبحري والاجتماعي، والتعريف بالشخصيات العلمية والأدبية والوطنية التي أسهمت في تشكيل ذاكرة الولاية. فالأمم التي لا تحفظ ذاكرتها تفقد شيئًا من قدرتها على فهم حاضرها، والأجيال التي تنقطع عن جذورها تصبح أقل قدرةً على استلهام خصوصيتها في عالم تتشابه فيه الأنماط وتتسارع فيه التحولات. ولعل توظيف التقنيات الحديثة في أرشفة هذا التراث وإتاحته رقميًا يمنح المركز دورًا مُضاعفًا، يجمع بين صون الأصالة وتوسيع آفاق الوصول إليها.

أما خططه المستقبلية المنشودة، فيُمكن أن تتجه نحو بناء شراكات فاعلة مع المدارس والجامعات والمؤسسات الثقافية والبحثية، وإطلاق برامج لاكتشاف المواهب ورعايتها، وتنظيم مسابقات سنوية في الأدب والابتكار، وإنشاء منصات رقمية للتعريف بالإنتاج الثقافي المحلي. كما يمكنه أن يتبنى مبادرات تربط الثقافة بالتنمية المستدامة، وتستثمر مقومات قريات الطبيعية والتاريخية والسياحية في ابتكار تجارب معرفية ومشروعات إبداعية تفتح آفاقًا جديدة أمام الشباب، وتُسهم في تنويع الفرص الاقتصادية وتعزيز المشاركة المجتمعية.

غير أن نجاح المركز لا يُقاس بكثرة فعالياته، ولا بعدد الندوات التي يستضيفها، وإنما بما يُحدثه من تحولات في الوعي والسلوك، وبما يكتشفه من مواهب، ويرعاه من مبادرات، ويتركه من أثر مستدام. وهذا يستدعي رؤيةً واضحة، وبرامج مدروسة، وشراكةً مجتمعية واسعة، وتقييمًا مستمرًا للنتائج، حتى لا تبقى الأهداف حبيسة الأوراق، ولا تتحول الطموحات إلى شعارات جميلة تذروها رياح الزمن.

إن الآمال المعلقة على مركز قريات للثقافة والابتكار تتجاوز حدود المكان؛ فهي آمال في جيل يقرأ ويبدع، وشباب يثق بقدراته، ومجتمع يرى في المعرفة سبيلًا إلى التقدم، وفي الثقافة ركيزةً للهوية، وفي الابتكار مفتاحًا للفرص الجديدة. وهي آمال في أن يصبح المركز ملتقى للأجيال، وجسرًا بين الخبرة والطموح، ومنصةً تتسع لأصوات المبدعين، وتمنح الأفكار الواعدة فرصةً للنمو والازدهار.

وعليه.. فإن مركز قريات للثقافة والابتكار، بما يمكن أن ينهض به من رسالةٍ ثقافية ومعرفية، ليس مجرد مشروع يُضاف إلى عمران الولاية؛ بل أفقٌ يُفتح أمام إنسانها، واستثمارٌ في وعي أبنائها، وبذرةٌ يُرجى أن تؤتي ثمارها في مستقبل أكثر إشراقًا.

وإذا ما تضافرت الجهود لتحقيق رسالته، والتقت الإرادة المؤسسية بحماسة المجتمع، أمكن لهذا المركز أن يصبح علامةً مضيئةً في المشهد الثقافي العُماني، وأن يبرهن على أن نهضة الأوطان لا تبدأ من وفرة الموارد وحدها، بل من عقلٍ يعرف كيف يفكر، وقلبٍ يعرف كيف ينتمي، وإرادةٍ تؤمن بأنَّ المستقبل لا يُنتظر، بل يُصنع بالعلم والثقافة والابتكار.

الأكثر قراءة

z