حمد الناصري
لم يكن العبور الآمن لسلطنة عُمان نحو مرافئ النهضة المُتجددة، وترسيخ ركائز سيادتها المتكاملة، محض صدفةٍ تاريخية؛ بل هو برهان مادي قاطع على صلابة العقلية العُمانية ومرونتها، وقدرتها الفذة على إدارة الأزمات برُشد، وعقيدة راسخة، وبصيرة تاريخية مشهودة.
وقد تجلّت هذه الحقيقة في زيارة الدولة التاريخية التي قام بها حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ إلى المملكة المتحدة؛ وهي الزيارة التي حظيت بعناوين دبلوماسية رصينة، لعل أبرزها: "عُمان قوة تصنع السلام". وفي هذا اللقاء الاستثنائي، التقت عراقة عهد الدولة البوسعيدية بمستقبلها المُشرق مع تقاليد الملكية البريطانية، في مشهد يدمج الأخلاق بالقرار، ويؤكد مدرسة الحُكم الراسخة التي جعلت من عُمان منارة للحِكمة العالمية، وواحة للأمن والاستقرار الجيوسياسي.
وقد تجسّد الاعتراف الدولي بمهابة السّمت العُماني وعُمق أثره السلمي في اللفتة التاريخية للملك تشارلز الثالث؛ إذ ألقى كلمته في مأدبة العشاء الرسمية بقلعة ويندسور مُمتشقاً أفصح لغات العرب وأشرف شواهدها، فاستشهد بالحديث النبوي الشريف المروي في صحيح مسلم عن أخلاق أهل عُمان قاطبة: "لو أنَّ أهلَ عُمانَ أتَيْتَ ما ضَرَبُوكَ ولا سَبُوكَ". إنّ هذا الاستحضار السامي يُبرهن على أنّ الأخلاق والسكينة والوقار ليست مجرد سلوكيات عابرة في وجدان العُماني، بل هي جينات حضارية ثابتة شهد بها الأصدقاء قبل الخصوم على مرّ العصور، حتى استحق هذا الشعب العريق الثناء من فم النبوة الأولى.
ولم تقف الفصاحة الملكية البريطانية عند حدود الشهادة النبوية، بل حلّقَت في فضاءات الأدب والبيان العُماني الشامخ؛ حيث فاجأ عاهل بريطانيا الحضور مستحضراً التراث العُماني بعبارة ترحيبية رقيقة: "مرحباً بزائرٍ لا يُمَلّ"، ثم تلا بلغة عربية واضحة أبياتاً لطود الأدب وأمير قوافي عُمان، الإمام أبي مسلم البهلاني، قائلاً:
ولا بَرِحَتْ تِلْكَ الرِّياضُ نَواضِراً ... تُضَمِّخُها طِيبَ السَّلامِ النَّسائِمُ.
ليمثل هذا الاقتباس الأدبي الرفيع برهاناً حِسّياً على أنّ أدب هذه الأرض وحِكمة عُلمائها يُمثلان وثيقة وجودية عابرة للقارات والدهور، حتى لفت الملك إلى عُمق الجذور بقوله: "قبل ألف عام من تأسيس المملكة المتحدة ذاتها، كان البحارة العُمانيون يمتهنون التجارة ويوسعون آفاق البحر العميق".
وفي المقابل الشامخ، جاءت كلمة حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم كصوت رصين يتدفق بالسيادة الكاملة والاعتزاز بالذات الوطنية، ليعلن للعالم أجمع عقيدة التوازن العُمانية الثابتة؛ حيث وصّف جلالته عُمق العلاقات الراسخة التي تمخر سفينتها تعاقب الأنواء استناداً إلى معاهدة عام 1800م (عام ألفٍ وثمانمئةٍ للميلاد) التي نصّت على أن تظل الصداقة ثابتة "إلى أن تقضي الشمس والقمر مسيرة دورتهما". كما رسّخ جلالته الإرث الدبلوماسي القائم على الإصغاء والحوار، مُؤكداً بنبرة ملؤها الاعتزاز والفخر الموروث: "نحن ننشد الحلول، ونؤمن بالدبلوماسية، والحوار، والعمل الدؤوب لتقريب الأمم، فهذا هو إرثنا".
إنّ عُمان لا تلجأ للحياد من باب الضعف، بل من مُنطلق القوة الواعية والمسؤولية الأخلاقية التاريخية، التي تسعى عفوياً لحلحلة الخلافات، وإطفاء نيران الفِتن، وإعادة الوئام للبشرية جمعاء، متجاوزةً بحكمتها المستقرة كل الأطر الجافة للسياسات الطارئة.
خُلاصة القول: إنّ زيارة السلطان الأريب وكلماته المُعتدة، مصحوبة بالشهادة البريطانية الموثقة بالنبوة والشعر والتاريخ، لم تكن مجرد بروتوكول سياسي عابر، بل كانت تجديداً لميثاق الثقة والصداقة التاريخية التي لم تتزعزع؛ لتبقى عُمان دائماً وأبداً، بقيادتها الحكيمة وشعبها الوفي، منارة السلام التي يستضيء بها العالم في أحلك الظروف الجيوسياسية.
