د. ذياب بن سالم العبري
حين تنجح مؤسسة في الإصغاء إلى الناس، فإنها لا تعالج شكوى فحسب، بل تفتح بابًا للثقة، وتجعل من المشاركة طريقًا إلى التحسين. ومن هذا المعنى الإنساني والإداري تبرز منصة «تجاوب» في سلطنة عُمان، مبادرة وطنية رائدة لامست احتياجات المواطنين والمقيمين، وقدمت صورة مشرقة لتحول رقمي لا ينشغل بالتقنية لذاتها، بل يوظفها لتيسير الحياة وتقريب المؤسسات من المجتمع. فالخدمة التي تبدأ بالإنسان هي الأقدر على البقاء.
لقد اختصرت «تجاوب» رحلة كانت تبدأ أحيانًا بالبحث عن الجهة المختصة، وتمر بالمراجعات والمراسلات وانتظار الردود. فأصبح في مقدور المستفيد أن يقدم بلاغه أو شكواه أو استفساره أو مقترحه عبر نافذة موحدة، ويتابع طلبه بوضوح. والأجمل في الفكرة أنها لا تطلب من المواطن أن يفهم تعقيدات الهياكل الإدارية؛ بل تدعو المؤسسات إلى التعاون لتصل الملاحظة إلى من يستطيع التعامل معها.
ومنذ إطلاق المنصة في فبراير 2025، اتسع حضورها بصورة مشجعة؛ إذ استقبلت أكثر من 235 ألف طلب حتى نهاية مايو 2026، بمشاركة 56 مؤسسة حكومية. ولم يكن هذا التفاعل مجرد أرقام في سجلات رقمية، فقد أسهمت ملاحظات ومقترحات في تحسين بعض الخدمات والمرافق العامة. وتلك قيمة تستحق الاعتزاز؛ حين تتحول تجربة فردية إلى فكرة نافعة، وملاحظة عابرة إلى تحسين يلمسه الآخرون. وهذه الشواهد الصغيرة في ظاهرها كبيرة في أثرها الاجتماعي والإنساني.
ومن الإنصاف أن نوجه الشكر والتقدير إلى القائمين على هذه المبادرة، من أصحاب الرؤية والقرار إلى الفرق الفنية والإدارية، وإلى المؤسسات التي فتحت قنواتها للتواصل والتجاوب. كما يستحق المواطنون والمقيمون المشاركون فيها الثناء؛ فقد منحوا الفكرة حياتها الحقيقية بملاحظاتهم الموضوعية ومقترحاتهم البناءة؛ فالنجاح هنا ليس نجاح منصة وحدها، بل ثمرة شراكة تتكامل فيها مسؤولية المؤسسة مع وعي المجتمع.
وتنسجم هذه التجربة مع طموحات رؤية «عُمان 2040» في بناء خدمات حكومية أكثر كفاءة واستجابة. وهي تلتقي مع تجارب دولية ملهمة؛ مثل «OneService» في سنغافورة، و«تواصل» في البحرين، و«04» في دبي، التي جعلت التواصل مع الجهات العامة أكثر يسرًا. لكن ما يعنينا في التجربة العُمانية ليس محاكاة الآخرين، بل البناء على نجاح وطني قادر على أن ينمو ويترسخ في حياتنا اليومية؛ فالسبق الحقيقي لا يكون بإطلاق المبادرة وحده، بل بقدرتنا على توسيع أثرها المجتمعي.
ولأن المبادرات الموفقة تستحق أن تتسع لا أن تبقى محصورة، فإننا نتطلع إلى انضمام مزيد من المؤسسات الحكومية وشبه الحكومية، والشركات الحكومية والجهات المشغلة للخدمات العامة، ضمن ترتيبات تحقق التكامل وتحفظ اختصاص كل جهة. فاحتياجات الناس لا تتوقف عند الحدود التنظيمية؛ وخدمات الكهرباء والمياه والنقل والاتصالات، وغيرها، جزء من تفاصيل الحياة اليومية التي تستحق قنوات تواصل واضحة وسهلة الوصول. وكل توسع مدروس يمنح هذه الشراكة أفقًا جديدًا.
والتوسع المنشود لا يقتصر على المؤسسات؛ بل يبدأ أيضًا من تعريف الناس بما تتيحه المنصة. ما أجمل أن تتبنى المدارس والجامعات ووسائل الإعلام والمجالس المجتمعية مبادرات مبسطة للتوعية بها، وأن تعرض المؤسسات قصصًا حقيقية لملاحظات تحولت إلى حلول. فحين يعرف المواطن كيف يستخدم «تجاوب»، ومتى يقدم البلاغ أو المقترح، يكتشف أن المشاركة الإيجابية ليست أمرًا معقدًا، وإنما سلوك حضاري في متناول الجميع.
ونحتاج في الوقت ذاته إلى ترسيخ ثقافة تحترم الملاحظة وتحتفي بالفكرة؛ فالمنصة ليست مكانًا للشكاوى وحدها. قد يلفت أحدهم الانتباه إلى خطر، ويقترح آخر تبسيط إجراء، ويقدم ثالث تجربة تساعد على تحسين خدمة. وكل ذلك يصبح أكثر قيمة حين تقابله المؤسسة بإصغاء جاد وروح مبادرة، ويقدمه المستفيد بلغة موضوعية ومعلومات واضحة. هكذا تتسع الثقة، ويصبح التطوير مسؤولية مشتركة لا مهمة طرف واحد. فالتطوير المؤسسي يزدهر حين يجد المجتمع أبوابه مفتوحة.
إنَّ «تجاوب» تستحق منا أن نحتفي بها، وأن ندعم انتشارها، وأن نعرّف بها من حولنا، فهي واحدة من الصور المضيئة للريادة العُمانية في التحول الرقمي. وما أجمل أن نرى هذه النافذة تتسع لكل صوت بنّاء، ولكل مؤسسة تؤمن بالشراكة. فحين يجد المواطن من يسمعه، وتجد الفكرة من يتبناها، ويجد التعاون طريقه إلى الإنجاز، يصبح التحول الرقمي ثقافة تُعاش، لا خدمة تُستخدم فحسب.
