بورصة مسقط.. نمو وفرص

 

 

 

د. محمد بن خلفان العاصمي

في 6 يناير 2021 صدر المرسوم السلطاني رقم (5/ 2021) بتحويل سوق مسقط للأوراق المالية إلى بورصة مسقط؛ لتصبح شركة مساهمة عُمانية مقفلة تابعة لجهاز الاستثمار العُماني، وهذه النقلة النوعية في مسار الشركة، فتحت المجال لمرحلة جديدة من تاريخها الممتد منذ العام 1988.

وقبل أيام أعلنت بورصة لندن عن إدراج بورصة مسقط في قائمة المراقبة التابعة لمؤشر "فوتسي راسل" (FTSE Russell)، وذلك لاحتمال ترقيتها من سوق حدودية إلى سوق ناشئة، ويعد هذا الترشيح قفزة كبيرة بالنظر إلى الفترة الزمنية القصيرة مقارنة بأسواق الأسهم العالمية الأخرى، والسؤال الأهم للقارئ والمتابع، ماذا يعني إدراج بورصة مسقط في هذا المؤشر؟

ولتبسيط الفهم فيمكن تشبيه نظام تصنيف أسواق المال والبورصات بنظام تصنيف الجامعات؛ فهناك جامعات لها شهرة عالمية، وأخرى تحقق تقدمًا سريعًا وتسعى إلى مكانة أكبر، وجامعات لا تزال في بداية طريقها، وهذا التصنيف عبارة عن نظام يعتمد على معايير دولية يجب أن تحققها هذه المؤسسات ليرتفع تصنيفها وتصبح وجهة دولية جاذبة للاستثمار ومحفزة للشركات الأجنبية، وهذه المعايير ترتبط باستيفاء متطلبات مثل الحوكمة والتشريعات وحجم الأسهم المتاحة للتداول والسيولة النقدية وغيرها مما سوف يتم التطرق له في هذا المقال.

والأسواق المالية تُصنَّف إلى 3 مستويات؛ حيث تبدأ من أسواق محدودية ثم ناشئة ثم متقدمة، وفي الوقت الحالي تُصنَّف بورصة مسقط كسوق محدودية، وهي في طور الترقي إلى سوق ناشئة بحسب القوائم التي سوف تصدر في ابريل 2027. وكما أسلفت سابقًا فإن هذا الترقي يعد نقلة نوعية مهمة؛ كون هذا يعني أنها تتقدم نحو فئة من الأسواق التي تحظى باهتمام واسع من المستثمرين العالميين. وهذه الخطوة تحققت بعد استكمال معايير التصنيف المشترطة، وأهمها وجود قوانين واضحة ومعلومات دقيقة عن الشركات ووجود حماية قانونية لحقوق المستثمرين، وهذا أمر بالغ الأهمية لخلق بيئة استثمارية جاذبة وآمنة، حيث تمثل البنية التشريعية المرتكز الأساسي لثقة المستثمرين الأجانب.

وهناك معايير تتعلق بالسيولة وتحويل الأموال؛ حيث يتطلب الوصول إلى مستوى الأسواق الناشئة وجود سيولة كافية للتداول وإجراءات واضحة وقدرة على تحويل الأموال وتسويتها دون عوائق غير مبررة، خاصةً وأن حجم التداول يرتبط بنسبة كبيرة بهذه العناصر، ومن المهم الإشارة إلى أن الترقية لهذا التصنيف تتطلب وجود أسهم بنسب كبيرة قابلة للتداول؛ فالأمر لا يرتبط بعدد الشركات المدرجة فقط، والذي هو مهم بطبيعة الحال، ولكنه يتعلق بما هو متاح للتداول أيضًا.

وبطبيعة الحال، كمواطن، يهمني كثيرًا معرفة ما سوف يعود على من فوائد جراء هذا الترقي المتوقع، وهذا تساؤل منطقي والإجابة ببساطة هناك فائدة متحققة بدون شك؛ فالمستثمر العُماني سوف يستفيد من اتساع قاعدة المستثمرين؛ حيث سوف يزيد نشاط التداول وتتحسن فرص الاستثمار، وبالطبع تظل مخاطر الخسارة قائمة نتيجة تأثر سوق التداول بالأوضاع الاقتصادية والسياسية.

أما بالنسبة للشركات العُمانية؛ فهي فرصة للوصول بقدر أكبر لرؤوس الأموال والتوسع في المشروعات نتيجة توافر السيولة، وهذا ينعكس إيجابيًا على إيجاد فرص عمل مباشرة وغير مباشرة بشكل أكبر. وبالنسبة للاقتصاد الوطني بشكل عام فإن الوصول إلى تصنيف الأسواق الناشئة يساعد على جذب الاستثمارات الأجنبية ويشجع كبار المستثمرين على الدخول للسوق العُمانية وبالتالي تنويع أكبر لمصادر الدخل وخلق أكبر للوظائف كما ذكرت سابقًا، وتدوير الأموال في المنظومة الاقتصادية، كما أن هذا الوضع يعد فرصة واعدة لصورة سلطنة عُمان الاستثمارية حول العالم، فهو يزيد من فرص حضورها وسط الأسواق العالمية، والحصول على فرص المنافسة للفوز بالاستثمارات الكبرى وجذب كبرى الشركات العالمية.

ويعد هذا الترقي المتوقَّع في التصنيف، فرصة واعدة لتحقيق قفزة كبيرة في الاقتصاد المحلي، ولكن كل ذلك يتطلب الاستعداد للاستفادة من هذه الفرصة المرجوة، وعندما نتحدث عن الاستعداد فهذا يشمل وجود خطة استراتيجية متكاملة للاستفادة من الوضع الجديد، والتأكد من وجود متطلبات المرحلة وتشجيع جميع القطاعات على الاستمرار في تنفيذ السياسات الاقتصادية المرسومة بحسب رؤية "عُمان 2040"، وبكل تأكيد فإن ذلك لن يكون غائبًا على متخذي القرار في وطننا العزيز.

ختامًا.. إنَّ قيمة السوق المالية لا تقاس فقط بحجم التداول أو بتصنيفها الدولي، بل بقدرتها على خدمة الاقتصاد الوطني وتحويل الفرص الاستثمارية إلى قيمة مضافة يشعر بها المجتمع، وهذا ما يجب أن يكون هدف الوصول إلى هذه التصنيفات لا مجرد التصنيف بحد ذاته، كما أن هذه الخطوة يجب أن تكون حلقة في سلسلة طويلة تهدف إلى الوصول لمستوى الأسواق المتقدمة في المستقبل القريب.

الأكثر قراءة

z