اليوم العالمي للصحة النفسية: من الوعي إلى الرعاية في سلطنة عُمان

 

 

د. أمجد عزات جمعة **

قد يجلس بيننا شخص يبتسم، ويؤدي عمله، ويبادل الآخرين أحاديثهم، بينما يخوض في داخله معركة لا يراها أحد. وقد يدخل طالب قاعة الدرس مثقلًا بالقلق، أو تعود أم إلى مسؤولياتها اليومية وهي تستنزف آخر ما لديها من طاقة، أو يخفي موظف ضيقه خشية أن يُفسَّر بأنه ضعف. خلف هذه المشاهد اليومية يبرز سؤال يستحق أن نتوقف عنده: هل نمنح صحتنا النفسية الاهتمام الذي تستحقه؟ وهل يعرف من يحتاج إلى المساعدة أين يجدها؟

في العاشر من أكتوبر من كل عام يحتفي العالم باليوم العالمي للصحة النفسية، وتحمل مناسبة هذا العام 2026 شعارًا (الاستماع إلى التجارب الواقعية: أصوات حقيقية، تغيير حقيقي). إنها دعوة إلى الإصغاء لمن عاشوا الاضطرابات النفسية، والاستفادة من خبراتهم في تطوير السياسات والخدمات والقرارات التي تمس حياتهم. فالمستفيد من الخدمات المقدمة شريك في تحسينها وتطويرها.

الصحة النفسية جزء أصيل من صحة الإنسان؛ بها يستطيع التعامل مع ضغوط الحياة، والتعلم والعمل، وبناء العلاقات، والمشاركة في مجتمعه. ولا يوجد صحة نفسية مطلقة، يمعنى أن الصحة النفسية لا تعني أن يعيش الإنسان سعيدًا طوال الوقت، أو أن يخلو يومه من الحزن والتوتر، وإنما أن يمتلك موارد نفسية واجتماعية تساعده على التكيف، وأن يجد الرعاية المناسبة عندما تتجاوز معاناته قدرته على الاحتمال.

ومن هنا، فإن التوعية تبدأ بتصحيح فهمنا للاضطرابات النفسية. فالاكتئاب والقلق وغيرهما من الاضطرابات حالات تستحق التقييم والرعاية، وتتوفر لها تدخلات علاجية فعالة. واختزالها في عبارات مثل (شد حيلك) أو (لا تفكر كثيرًا) قد يجعل صاحب المعاناة يشعر بأن الآخرين لا يفهمونه. يحتاج الإنسان إلى من يضغي إليه باحترام، ويشجعه على طلب المساعدة، ويحفظ كرامته وخصوصيته.

كما أن الشعور العابر بالضيق لا يعني بالضرورة وجود اضطراب نفسي. لكن استمرار الحزن، أو القلق الشديد، أو فقدان الاهتمام، أو اضطراب النوم، أو الانسحاب الاجتماعي، خصوصًا عندما يؤثر ذلك في الدراسة والعمل والعلاقات، يستحق استشارة مختص. والتشخيص لا يُبنى على منشور متداول أو اختبار إلكتروني، بل على تقييم مهني يراعي طبيعة الأعراض ومدتها وتأثيرها وظروف الشخص.

وفي سلطنة عُمان، تكتسب هذه المناسبة أهمية عملية تتجاوز نشر الرسائل التوعوية، وذلك لانسجامها مع رؤية عُمان 2040، وتحديداً في محور"الإنسان والمجتمع" تحت أولية "الصحة" التي تسعى إلى توفير نظام صحي متكامل وشامل، وذو جودة عالية يعزز الرفاه النفسي والجسدي. كما ينبغي في هذه المناسبة الإشارة إلى خدمات الصحة النفسية وكيفية الوصول إليها، حيث تقدم خدمات الصحة النفسية في مختلف ولايات سلطنة عمان ضمن منظومة الرعاية الصحية الأولية التي تشرف عليها وزارة الصة، وفي الحالات المعقدة يتم تحويلها إلى المستشفيات المتخصصة وعلى رأسها مستشفى المسرة التي تعد من المؤسسات المتخصصة في تقديم الرعاية النفسية، وتشمل خدماته علاج اضطرابات مثل الاكتئاب والقلق والوسواس القهري والاضطراب ثنائي القطب والفصام، من خلال العلاج النفسي والدوائي والاستشارات بحسب احتياجات الحالة. كما يقدم خدمات متخصصة للأطفال والمراهقين وكبار السن، بما يعكس اختلاف احتياجات الرعاية عبر مراحل العمر.

ومع ذلك، في ظل توافر خدمات الصحة النفسية نحتاج إلى وعي مجتمعي يفتح الطريق إليها. وقد تجعل الوصمة بعض الأشخاص يؤجلون طلب المساعدة خوفًا من نظرة الآخرين. لذلك أقترح أن تتضمن الحملات التوعوية معلومات واضحة عن أماكن الرعاية، وإجراءات المراجعة، وكيفية حماية الخصوصية، وأن تجيب عن الأسئلة التي تشغل الناس بلغة بسيطة. فمعرفة الخطوة الأولى قد تكون العامل الذي ينقل شخصًا من التردد إلى طلب الدعم.

وللأسرة دور لا يمكن الاستغناء عنه. حين يقول أحد أفرادها إنه متعب نفسيًا، فإن الإصغاء إليه أكثر فائدة من اللوم أو المقارنة بمن "يعانون أكثر". ويمكن أن تبدأ المساندة بعبارة: " أنا أسمعك، ويمكننا البحث عن مساعدة مناسبة" . ويشمل الدعم احترام اختيارات الشخص، ومساعدته على الوصول إلى الرعاية، وتجنب تداول تفاصيل حالته دون موافقته. وعند وجود خطر مباشر على سلامته أو سلامة غيره، يلزم طلب مساعدة طبية عاجلة والتوجه إلى أقرب قسم طوارئ.

أما المدارس والجامعات، فأقترح أن تجعل تعزيز الصحة النفسية جزءًا من الحياة التعليمية اليومية: بيئة آمنة من التنمر، ومساحات للحوار، وخدمات إرشادية واضحة، وتدريبًا للمعلمين على خدمات الصحة النفسية المدرسية وملاحظة التغيرات التي تستدعي الإحالة. وفي أماكن العمل الأخرى، ينبغي الاهتمام بحالة الرفاه النفسي للعاملين من خلال تهيئة البيئة المناسبة للعمل والانجاز، وعدالة المعاملة، ووضوح المسؤوليات، واحترام أوقات الراحة. فالنصائح الفردية تزداد أثرًا حين تدعمها بيئة تراعي احتياجات الإنسان.

وعلى المسستوى الفردي ويمكن لكل فرد أن يسهم في العناية بصحته النفسية من خلال انتظام النوم، والنشاط البدني، والتواصل مع أشخاص داعمين، وتخصيص وقت للراحة، وطلب المساعدة عند الحاجة. هذه الممارسات تدعم الرفاه، وتتكامل مع العلاج المهني عندما تستدعي الحالة ذلك.

في اليوم العالمي للصحة النفسية، لنجعل الوعي خطوةً نحو الرعاية، والإصغاء بابًا للدعم، وطلب المساعدة حقًا يمارسه الجميع دون حرج. فكل خطوة نقرّب بها خدمات الصحة النفسية مفي سلطنة عُمان من الناس، تمنح إنسانًا فرصةً للتعافي وأملًا في حياة أفضل.

** أستاذ مشارك في علم النفس، جامعة الشرقية – كلية الاَداب والعلوم الإنسانية – قسم علم النفس

 

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z