"نوبل" تُصحح مسارها

 

 

 

فوزي عمار

لسنوات طويلة، تحولت جائزة نوبل للسلام إلى جائزة للعلاقات العامة. يمنحونها لرئيس أمريكي لأنه ألقى خطابًا جميلًا في القاهرة، أو لمنظمة أوروبية لأنها لم تشن حربًا على جيرانها، أو لناشط لطيف على إنستغرام. كانت الجائزة تبحث عن السلام حيث لا حرب، وتبحث عن الضحايا حيث لا جلاد.

وفي يوم 9 أكتوبر 2026، فعلت لجنة نوبل شيئًا لم تفعله منذ عقود؛ إذ صححت مسارها ومنحت الجائزة لامرأة عمرها 85 سنة، لا تملك جيشًا ولا حزبًا ولا حساب تيك توك، بل تملك ملفًا. اسمها نافي بيلاي. القاضية التي فتحت مكتب مُحاماة في دربان عام 1967 عندما كان القانون في جنوب أفريقيا يقول إنَّ السود لا يصلحون للمحاكم. دافعت عن مناهضي الفصل العنصري عندما كان ثمن ذلك السجن. ثم أصبحت قاضية في محكمة رواندا؛ فأرسلت من ذبحوا التوتسي إلى السجن. ثم أصبحت مفوضة حقوق الإنسان في الأمم المتحدة، فقالت إن أمريكا تعذب في غوانتانامو عندما كان الجميع يصفق لبوش. وأخيرًا، ترأست لجنة التحقيق حول غزة، وقالت الجملة التي لم يجرؤ أحد على قولها في وثيقة أممية: هذه إبادة جماعية.

لهذا جُنَّ جنون إسرائيل. وزارة الخارجية الإسرائيلية قالت "لو كانت هناك جائزة للأكاذيب، لكانت بيلاي المرشحة الأوفر حظًا، وغوبلز يصفق من الجحيم". ونتنياهو قال: "اللجنة فقدت بوصلتها الأخلاقية". لكن الحقيقة هي العكس تمامًا!

لقد استعادت اللجنة بوصلتها. نوبل للسلام وُلدت من رحم فكرة واحدة: أن القانون فوق القوة. أن الجندي الذي يطلق النار يمكن محاكمته، وأن الرئيس الذي يأمر بالقصف يمكن أن يدان.

لأكثر من 20 سنة، نسيت اللجنة هذه الفكرة. كانت تمنح الجائزة لمن يوقف إطلاق النار لساعة، لا لمن يحاسب من أطلق النار أصلًا. بمنحها لبيلاي تعود نوبل إلى أصلها: السلام ليس غياب الحرب، السلام هو وجود عدالة. لا سلام دون قانون، ولا قانون دون محاسبة. إسرائيل تفهم هذا جيدًا. لهذا هي غاضبة؛ لأن الجائزة هذه المرة لا تكرم ضحية لطيفة تبكي أمام الكاميرا، بل تكرم قاضية تجمع الأدلة وتكتب التقرير وتقول: من فعل هذا يجب أن يحاكم. وهذا هو السلام الحقيقي، السلام الذي يخافه المجرمون. أول مرة منذ زمن طويل تستحق نوبل اسمها.

الأكثر قراءة

z