هذه ليست تربيتي

 

 

 

د. سلطان بن محمد القاسمي

منذ أن يفتح الإنسان عينيه على هذه الحياة، يبدأ في التعلم ممن حوله، وأول مدرسة حقيقية له هي بيته؛ حيث يتعلم من والديه كيف يتحدث مع الناس، وكيف يحترم الكبير، ويحفظ حق الصغير، ويعرف الخطأ من الصواب. وهناك أشياء كثيرة نتعلمها في طفولتنا دون أن يجلس أحد ليشرحها لنا، نراها في تصرفات والدينا ونعيشها معهم يوما بعد يوم، حتى تصبح جزءا منا.

وقد لا ندرك قيمة هذه التربية ونحن صغار، لكننا نعرف قيمتها أكثر عندما نكبر ونخرج إلى الحياة.

يمر الإنسان بمراحل كثيرة؛ يبدأ بالمدرسة، ثم الجامعة، وبعدها الوظيفة، وتتوسع دائرة الناس ممن حوله في كل مرحلة؛ حيث يقابل أشخاصًا من بيئات مختلفة، ويتعرف على أفكار وثقافات وعادات لم يعرفها من قبل. وهذا أمر طبيعي جدا، فالإنسان لا يمكن أن يعيش طوال حياته داخل دائرة واحدة.

وفي كل مرحلة نتعلم شيئًا جديدًا، وقد نغير بعض أفكارنا أو قناعاتنا بعد أن نكتشف أننا كنا مخطئين فيها. وهذا ليس عيبا، فمن الطبيعي أن يتغير الإنسان مع المعرفة والخبرة والعمر. لكن هناك فرقا كبيرا بين أن تتغير لأنك تعلمت وأصبحت أكثر نضجا، وبين أن تتغير لأن مصلحتك أصبحت في مكان آخر.

في الجامعة مثلًا، وبعدها في بيئة العمل بصورة أكبر، قد ترى ممارسات لم تتعود عليها في بيتك. وقد تقابل من يتعامل مع كل شخص بطريقة مختلفة، أو يغير كلامه وموقفه بحسب المكان ومن يجلس أمامه. وربما تسمع رأيا منه اليوم، ثم تسمع منه غدا رأيا مختلفا تماما، ليس لأنه اقتنع بشيء جديد، وإنما لأن المصلحة تغيرت. هذه الأمور قد تكون عادية عند البعض، لكنها متعبة لمن لم يتربَّ عليها.

وأحيانًا تجد من يحاول أن يخرجك من طورك، أو يدفعك بطريقة أو بأخرى إلى أن تتعامل بأسلوبه. وقد تستطيع أن ترد عليه بالطريقة نفسها، وربما تستطيع أن تضره كما حاول أن يضرك، لكنك تتوقف. ليس خوفا منه، وليس لأنك لا تعرف كيف ترد، وإنما لأن هناك شيئا في داخلك يقول لك: هذه ليست تربيتك.

وقد سألت نفسي أكثر من مرة: هل يجب أن يتغير الإنسان حتى يستطيع أن يعيش وسط كل هذه الاختلافات؟

أعتقد أنَّ الإنسان يحتاج إلى المرونة، ويحتاج أن يعرف كيف يتعامل مع الناس باختلاف طباعهم، لكن المرونة شيء والتلون شيء آخر. فليس مطلوباً مني أن أتفق مع الجميع، لكنني في المقابل لا أريد أن أغير موقفي كلما تغيرت مصلحتي.

ومن الجميل أن يبقى الإنسان على مبدئه، سواء كان أمام شخص يحتاج إليه أو أمام شخص لا ينتظر منه شيئا. وأن يكون موقفه واحدا في حضور الناس وغيابهم، وألا تكون علاقاته قائمة على مقدار ما سيحصل عليه منها. وهذا ليس سهلا دائما.

أحيانا تكون المصلحة قريبة منك، وكل ما عليك فعله أن تتنازل قليلا عن شيء كنت تؤمن به. وقد ترى غيرك يحصل على ما يريد لأنه عرف كيف يغير موقفه في الوقت المناسب، بينما تبقى أنت متمسكا بشيء ربما يكلفك خسارة تلك المصلحة. وهنا تظهر قيمة ما تربينا عليه.

التربية الجيدة لا تعني أننا لن نخطئ. كلنا نخطئ، وقد نغضب ونندفع ونندم على بعض تصرفاتنا، لكن يبقى هناك ضمير يعيدك إلى نفسك. إذا أخطأت تشعر بأن شيئا ما ليس في مكانه، وتحاول أن تصلحه، لأنك تعرف في داخلك أن ذلك التصرف لا يشبهك.

ولهذا فإن الابتعاد عن بعض الأجواء ليس دائما ضعفا أو هروبا. أحيانا تجد نفسك في محيط لا ترتاح له، وتشعر أن الاستمرار فيه يستنزفك ويضعك أمام أمور لا تريد أن تكون جزءا منها. عندها قد تكون المسافة أفضل، ليس كرها لأحد، وإنما حفاظا على نفسك وعلى ما تؤمن به.

أصبحت مقتنعا بأن بعض الخسائر أهون من أن يخسر الانسان نفسه. وقد تفوتك مصلحة، وقد تخسر علاقة، وقد لا يعجب البعض ثباتك على موقف معين، لكن هذه الأشياء تمر. أما أن تفعل شيئا يخالف تربيتك ثم تجلس وحدك وتلوم نفسك عليه، فهذا شعور أصعب بكثير.

الحياة ستغير فينا أشياء كثيرة، وهذا أمر طبيعي جدًا. وستزيد خبرتنا، ونظرتنا لبعض الأمور، وربما نكتشف أننا مخطئين في أشياء دافعنا عنها سنوات. وليس المطلوب أن نبقى كما كنَّا دون تغيير؛ بل أن نتغير إلى الأفضل، وأن نتعلم وننضج، دون أن تصبح مصالحنا هي التي تحدد مبادئنا.

الإنسان قد يأخذ من الحياة شهادات ومناصب وتجارب كثيرة، ويتعرف على أناس وثقافات مختلفة، لكن يبقى هناك شيء يعود معه إلى نفسه كل يوم، ألا وهو تربيته.

وما أجمل أن تمر بنا السنوات، وتتغير حولنا الوجوه والمصالح والظروف، ثم نعود إلى أنفسنا فنجد أن الأشياء الجميلة التي أخذناها من بيوتنا ما زالت فينا.

 

الأكثر قراءة

z